عندما تصدر احدى المؤسسات قراراً بضرورة الأناقة في العمل, ترتفع بورصة ربطات العنق, لأن مفهوم الأناقة يرتبط بأذهان الآخرين بربطة العنق. وربطة العنق تعكس ذائقة صاحبها في ارتداء الثياب حسب تبدل الطقس بين فصل وآخر وحسب توقيت استعمالها, فالربطات الداكنة تدل على الليل والسهر, والربطات الفاتحة تناسب الصباح الذي يترافق عادة بالشاي والحديقة والزهور. لكن ماذا يفعل هؤلاء الذين تضطرهم طبيعة وظائفهم الى ارتداء ربطات العنق وهم لا عهد لهم بها سابقاً؟ سيجتهدون طبعاً في سبيل الحصول على شكل لائق عبر التوجه الى أقرب متجر يعرض أصناف السلع ويتبضعون عدة ربطات ثم يبدأون مطابقتها لما يملكون من قمصان او بدلات, وهنا يمكن مراقبة مدى تطور الذائقة الجمالية لدى هؤلاء, فأصحاب البشرة السمراء يفضلون الربطات ذات اللون الفاتح وأصحاب الطباع الحادة يحبذونها داكنة والمتزوجون يرغبون ان تكون ألوانها متداخلة تشبه شكل حياتهم. في الحقيقة ان الثياب تعكس امزجة الناس والألوان تدل على اسلوبهم في الحياة ونوعية الألبسة تظهر انتماءهم الطبقي, وهذه مسألة ملحوظة في المجتمع, لكن ربطة العنق الأكثر تمثيلاً للمزاج والاسلوب والطبقة, فقد كان الشيوعيون الاوائل يرتدون بدلات داكنة وربطة عنق حمراء, وكان النازيون لا يتخلون عن اللون الأسود, في حين حافظ الامريكيون على ربطاتهم المزركشة التي تشبه حياتهم التهريجية. واذا كانت ربطة عنق الأيام الخوالي فيها الكثير من الجدية من طريقة عقدتها وشكلها النحيف المسلول في الخمسينيات والستينيات فإن السبعينيات اطاحت برشاقتها وحولتها الى ذيل سمكة قرش يتدلى من رقبة رجل بدين. لكن الثمانينيات أطلقت النار على ربطات الحرير الناعم وصار هناك الصوف والجلد والحبال تزين أعناق رجال الفن ومحبي حياة الليل. واتسمت فترة التسعينيات بعودة كل ما هو منقرض وزائل في عالم الموضة لأن التسعينيات لا ملامح لها ولا طعم خاصة بعدما حلت التقنية العالية محل الاختلاط الاجتماعي, فلم يعد المرء بحاجة الى مقهى او ملهى ليعرض ربطة عنقه لأن الانترنت وغيرها من الاختراعات خربت تواصله الاجتماعي. والحديث عن ربطة العنق سيقود الى التعريف بها تاريخياً حيث كانت وشاحاً يلف حول الرقبة اتقاء للبرد, ثم اغلق بها الانجليز ياقات قمصانهم خوفاً من تسرب حرارة اجسادهم في الايام الباردة, ثم وضعها الفرنسيون فاصلاً جمالياً بين الجاكيت والقميص وفي نهاية المطاف صارت عرفاً متداولاً بين جميع الثقافات الا ما ندر. وها هي اليوم مئات المؤسسات والشركات تفرضها على موظفيها كأحد اشكال اللباس الموحد والكثير منها يحمل اسم الشركة التي يعمل الموظف فيها. واذا قلنا في البداية انها تدل على الذوق الجمالي لمرتديها, فإن تعميم ارتدائها فضح كثيراً ذائقة الناس البسطاء الذين طابقوا بدلتهم الزرقاء بربطة عنق بنية او الذين زينوا قميصهم البرتقالي بربطة خضراء, او هؤلاء الذين لم يجدوا مفراً من التوجه الى باريس لاتباع دورة تدريبية في عقد ربطات العنق, فعاد نصفهم الى وظائفهم بينما النصف الآخر قضوا شنقاً! خسارة لقد كانوا موظفين أكفاء.