قبل سنوات كان هذا المذيع يطلّ علينا من خلال اشهر وانجح قناة عربية خرجت في ذلك الوقت, كان نجما متميزا بشخصيته وحضوره واختيار الموضوعات والحوارات التي يقدمها, كانت له شهرته ومعجبيه أينما وصل بث القناة الدولية, وكانت القنوات والتلفزيونات الأخرى تتمنى أن يكون عندها. وبعد زمن من النجاح والتميز انتقل هذا المذيع إلى قناة عربية أخرى, وواصل تألقه. لكنه غاب فجأة مثلما جاء, وخسر المشاهد العربي شخصية لها حضورها وتميزها. لا اعرف سبب الغياب, لكنني سمعت أخباره بعد ذلك, انه دخل مجال الأعمال التجارية ويدير شركة في مجال الاعلام, وسمعت بعدها ان مشروعه توقف, وانه اتفق مع مؤسسة ضخمة نشاطها بعيد عن تخصصه الإعلامي, وانه يعمل معها. سنوات طويلة فصلت بين آخر مرة شاهدته فيها حيّا على الهواء الملون, وبين آخر أخباره التي سمعتها. قبل أيام صدمت عندما طالعت صورة هذا المذيع الناجح, والذي كان وجهه واسمه في الاعوام الماضية غلافا تتنافس المجلات الفنية عليه. إن صورته هذه المرة في مربع مشبوه في اسفل صفحة الإعلانات, وتحتها صيغة تحذر من التعامل معه ! فالمؤسسة قطعت علاقتها به, واصبح لا يمثلها, وتحذر الجمهور منه. خسارة أن نفقد إعلاميا له اسمه ومكانته, ألا نعود نشاهده يجتهد ويبدع ويمتعنا, وان تكون نهايته هكذا. هذه حادثة أحزنتني, ووجدت أسماء عديدة تحضر في ذاكرتي, شخصيات إعلامية وادبية وثقافية تألقت وأبدعت وكان وجودها يمثل إضافة نوعية. غابت أو غيّبت عنا وكدنا ننساها, أو بالتأكيد إننا فعلنا ذلك, وكأنها لم تكن تمثل لنا في زمن ما, وهجا ونجومية وتعني لنا ثقافة وفكرا تشربناه منها. لماذا نخسر هؤلاء, المبدعين تحديدا ؟! ولماذا نرضى لهم ذلك ؟ قد يكون هذا المبدع سببا في النهاية, التي يمكن وصفها بالظالمة التي ينتهي إليها حاله. إنه ذلك (الفيروس) المزعج الذي يسكن تكوين المبدع, أن يكون متمردا, قد يبحث عن وضع افضل ويسكنه الطمع في هذا السير, قد يبدّل بيئته, ويدخل عالماً آخر يظنه اسهل وافضل من هذا الذي هو فيه, قد يصيبه التعب, قد يصيبه الخوف, قد يصيبه القرف, وقد يكون الجهاز الذي ينتمي إليه هو سبب أحزانه واحباطاته, فالمكان الذي ينتمي إليه عبارة عن بيئة طاردة, تذيقه ألوانا من المثبطات: أمراض ادارية ونفسية, صراعات وخلافات شخصية لا تخدم العمل, بل تضره. فيضطر المبدع أن يحفظ ما تبقى له من كرامة ومكانة ويهرب, حتى لو كان هذا الهروب إلى الظلام ونحو المجهول. وفي الحالات كلها نحن الذين نخسر, نحن جمهور المتلقي. نخسر طاقات ومبدعين, وهؤلاء لا يولدون بسهولة, ولا يكبرون بسهولة, ولا يتكررون أيضا بسهولة. في العالم الأول, المتقدم, يحترم أمثال هؤلاء, يجدون اكثر من التقدير والاستقرار, يجدون الرعاية والتشجيع, لهم مكانة محفوظة, ومرتبتهم في المقدمة في كل شيء. لهذا يزداد عدد المبدعين في مثل هذه البيئة, يتكاثرون, وتفخر بهم أوطانهم. حتى المبدع الغريب يجد له مكانة بينهم, يمنحونه كرمهم وحبهم, ويفخرون أن ينتمي لهم, فأين الشبه بين بيئة وبيئة ؟ جميل أن نملك الثروة والتكنولوجيا, وان نسير في ركب التقدم والحضارة. ولكن ما قيمة ذلك من دون إنسان مبدع. مبدع يولد منها, وينتمي لها, لوطنه و أمته. ( قد ) يأتي زمان يحترم فيه الوطن العربي نبته المبدع, يقدّره ويرعاه ويحافظ عليه ويفخر به. ما اجمل انتظار (قد) هذه. والتي ربما قد لا تأتي..! وقفة: إلى من سأل في (العرس), ماذا ستكتب في الاستراحة المقبلة. الذي تبحث عنه, عروق الماضي والكتابة عن روائع أولئك الكبار الذين أهملناهم وأهملهم الزمن, هذه العروق تكاد تجف _ يا عزيزي _ ومثلك من يدعمها ويعيد لها الحياة, متى نجدك وتعطينا بعض ما في ذاكرتك ؟