احراز ارييل شارون نحو 60 في المئة من اصوات الناخبين الاسرائيليين (مقابل اقل من 40 في المئة لمنافسه ايهود باراك) لم يكن مثار دهشة. ما يجب ان يبعث على الدهشة والاستغراب ان ما يقارب 40 في المئة ، من الاسرائيليين الذين يملكون حق الاقتراع ــ اي اكثر من الثلث ــ لم يشاءوا ان يغادروا منازلهم الى مراكز الاقتراع للمشاركة في العملية الانتخابية, فماذا يعني هذا؟ للعثور على الاجابة عن هذا السؤال المهم يتعين علينا اعادة تدوير شريط انتخابي ليس ببعيد العهد وسوف نرى ان معركة شارون ــ باراك اليوم في عام 2001 هي معركة نتانياهو ــ بيريز بالامس في عام 1997. ذلك ان بنيامين نتانياهو كان الزعيم المتشدد الذي تميز بالمواصفات التي على اساسها نال ارييل شارون اليوم ثقة الشعب الاسرائيلي. فكلاهما ليكودي متعصب.. وكلاهما يعتنق عقيدة الابادة للشعب الفلسطيني, واهم من هذا وذاك ان اصوات الاغلبية الاسرائيلية التي اعطيت لكل منهما تعكس تعبيرا شعبيا سالبا ضد زعيم منافس رأى الاسرائيليون في نهجه ضعفا وتهاونا و(تنازلا) تجاه الطرف الفلسطيني.. وفي هذا يتساوى الزعيم المهزوم اليوم باراك مع الزعيم المهزوم امس بيريز وكلاهما ايضا يمثل (حزب العمل). ولكن بطل انتخابات 97 بنيامين نتانياهو لم يستطع ان يكمل فترته الدستورية على رأس الحكومة الاسرائيلية رغم الطوفان الشعبي المهرجاني الذي دفع به الى السلطة. رويدا تحول رئيس الوزراء (القوي المتشدد) الى زعيم فاشل في نظر الشعب الاسرائيلي وهبطت شعبيته الى الحضيض. فهو لم يحقق السلام والامان رغم التزامه عمليا طوال ثلاث سنوات في السلطة بنهج البطش والتشدد والتعنت مع المماطلة تجاه التعامل مع الجانب الفلسطيني. على هذا الاساس كانت مغادرة نتانياهو للسلطة هبوطا اضطراريا لافساح المجال لدورة انتخابية جديدة. فبعد فشل نهج الشدة والقسوة قرر الشعب الاسرائيلي تجربة نهج (المرونة) وهكذا وبنفس الحماسة والمهرجانية صعد الى السلطة ايهود باراك, وبعد اقل من ثلاث سنوات كان بطل نهج المرونة قد فشل تماما في تحقيق السلام والامن كما وعد. وخلال الشهور التي امتدت ما بين استقالة باراك والموعد الذي حدد لاجراء دورة انتخابية جديدة في 6 فبراير المنصرم كان السؤال المتداول في اوساط المجتمع الاسرائيلي هو: ماذا تبقى من خيار لنواصل التجريب؟ فعلى الصعيد العملي التطبيقي فشل نهج الشدة بقدر ما فشل نهج المرونة. والاسرائيليون الذي شاركوا في الاقتراع في هذه الانتخابات الاخيرة واعطوا اصواتهم الى بطل نهج الشدة الجديد أرييل شارون لايختلف امرهم جوهريا عن اولئك الاسرائيليين الذين فضلوا البقاء داخل منازلهم عازفين عن المشاركة في الاقتراع. فكلا الفريقين يعبر فيما يبدو عن شعور حاد باليأس والاحباط مع الحيرة. بايجاز وصل المجتمع الاسرائيلي الى طريق مسدود, فالذين صوتوا لصالح شارون وضد باراك كانوا يرون في الموقف الانتخابي مقارنة بين فشل مرجح (نهج شارون) وفشل ثابت وواقع (نهج باراك) والذين بقوا في منازلهم قعدت بهم الحيرة.. وربما رأى بعضهم من ذوي البصيرة سلفا المشهد السياسي المستقبلي عندما يتبلور فشل شارون معيدا الى الاذهان فشل سلفه الليكودي نتانياهو. ومشكلة الشعب الاسرائيلي هي انه يريد لدولته ان تعيش في سلم وأمان على حساب حقوق ومصير شعب آخر. والى ان تدرك قطاعات الشعب الاسرائيلي ان هذا الوضع ضد طبائع الاشياء فانه سوف يظل شريكا مع قادته السياسيين في لعبة خطرة.