الإكوادور.. (جمهورية موز) في عصر البترول، بقلم: الدكتور طلعت شاهين

(عندما اشتد الجوع في أوروبا في العصور الوسطى نتيجة الحروب الدينية والعرقية, وجشع الإقطاع وتجبر الملاك ضد الفلاحين والإجراء, بحثت شعوبها من العامة عن مخرج, وعندما وصل الأوروبيون إلى أمريكا قالوا، انهم اكتشفوا أرضا جديدا وبقوا فيها, أبناء تلك الأرض الجديدة التي احتلها الأوروبيون من قبل يعيشون حاليا المأساة نفسها, أو لنقل انهم يكررونها, وجاءوا إلى أوروبا وقرروا البقاء فيها, اصبحوا هم الموجة العكسية لهجرة القرون الوسطى). بهذه الكلمات فسر أحد المحللين السياسيين الأوروبيين المأساة التي يعيشها أبناء أمريكا اللاتينية في معظم الدول الأوروبية, وبشكل خاص في اسبانيا, ردا على مواقف تلك الحكومات التي تسن القوانين, التي تحاول وقف موجات الهجرة من تلك البلاد التي كانت يوما وجهة أبناء أوروبا الهاربين من الفقر بحثا عن لقمة العيش, وعاثوا فيها فسادا حتى أفقروها, ويريدون اليوم إغلاق الأبواب أمام شعوبها بدلا من رد الجميل لهم, لأنهم أنقذوا أجدادهم من الموت جوعا. ربما كان اللافت للنظر أن بعض تلك الدول التي يهرب سكانها اليوم منها بحثا عن مصدر رزق جديد, تعد من الدول المفترض أنها ثرية بمواردها الطبيعية, وخاصة البترول الذي يعتبر ذهب العصر, حيث أننا نجد أن المهاجرين من دولة مثل الإكوادور يشكلون أكثر من نصف عدد المهاجرين إلى اسبانيا من جميع دول أمريكا اللاتينية مجتمعة, وهي الدولة التي تعتبر من أقل دول تلك القارة من حيث عدد السكان, وأكثرها احتواء على المصادر الطبيعية, من الموز والبن والغابات, وبالطبع البترول الذي كان يعتبر حتى وقت قريب المصدر الأول للبلاد من العملات الأجنبية. لكن يبدو أن البترول مثله مثل الموز من قبل, يعتبر مصدرا لفئة محدودة من السكان من ذوي الأصول الأوروبية للإثراء على حساب البلاد, بينما يعيش سكانها الحقيقيون في فقر وبؤس, وبشكل خاص الطبقة التي تنحدر من أصول هندية, من أبناء السكان الأصليين الذين يواصلون حياتهم البدائية التي وجدهم عليها كولومبوس واتباعه قبل خمسة قرون, على الرغم من تطور الحياة وأدواتها. مع بداية السبعينيات بدأ الأمل يداعب خيال سكان الإكوادور للخروج من تاريخها المليء بالاضطهاد, الذي كانت تمارسه شركات الفاكهة, التي كانت تستغلهم كزارعين وحاصدين للموز لتصديره إلى الولايات المتحدة وأوروبا دون أن يتذوقوه مطلقا, تاريخ كانت فيه شركات الموز تغير الحكومات على هواها, وكأن حكومة الدولة جزء لا يتجزأ من (حقول الموز), حتى جرت العادة على تسمية الإكوادور وغيرها من البلاد المجاورة (جمهوريات الموز), لا لشهرة موزها الطازج الحلو المنتشر في كل أسواق العالم, ولكن لأن حكوماتها كانت جزءاً من الموظفين الخاضعين لإدارة الشركات, التي تزرع وتسوق الموز لتتضخم حساباتها في البنوك الأوروبية, بينما تنحل أجساد سكان تلك الجمهوريات. ظهور البترول في أحراش الإكوادور الشرقية في بداية السبعينيات, وارتفاع أسعاره مع حرب أكتوبر 73 فتح الأبواب لجمهورية الإكوادور لتكوين مستقبل جديد, وبداية صفحة جديدة في تاريخ اقتصادها, وبدأ المحللون الاقتصاديون والشركات الكبرى يتعاملون مع الإكوادور على أساس الواقع الجديد, واقع ثروة الذهب الأسود. وبدأ الحديث عن المستقبل المرفه والزاهر الذي ينتظر الشعب الإكوادوري بعد سنوات من المعاناة تحت تعسف إدارات شركات الموز, والقائمين عليها, والمستفيدين منها, لكن كل هذه التحليلات لم تكن سوى مجرد أضغاث أحلام صيف, أو مجرد سراب في صحراء الفقر, سرعان ما اختفت مع اختفاء أشعة الشمس الأولى للعملات الأجنبية, التي بدأت تدخل البلاد مع أول دفعات البترول المعدة للتصدير. بعد ربع قرن من اكتشاف البترول في الإكوادور, لا تزال البنية الأساسية على حالها أن لم تكن أسوأ مما كانت عليه من قبل, وازداد عدد الفقراء من خمسة ملايين ونصف المليون إلى ما يقرب من ثمانية ملايين ونصف المليون, في شعب تعداده لا يتجاوز 12 مليون نسمة, أي اكثر من 70 في المئة من عدد السكان لا يجد قوت يومه بفضل وجود الذهب الأسود الجاري من ارض البلاد باتجاه خزائن البنوك الأجنبية. السبب, أن ظهور البترول لم يغير من الواقع المأساوي, نتيجة للتغيير في استراتيجية الشركات الأجنبية التي كانت تستغل البلاد لنفسها من قبل كمزرعة موز لتكون مصدرا للدخل والمكاسب من الذهب الأسود, حيث زينت تلك الشركات بمساعدة خبراء الاقتصاد الأمور لحكام البلاد, للقيام بتنفيذ مشروعات ضخمة لا تصب في الاتجاه الصحيح الذي تحتاجه البلاد, وتحتاج إلى مبالغ طائلة من العملات الصعبة, فبدأت سياسة الاقتراض بضمان البترول ودخله, وتراكمت الديون الخارجية حتى اصبح البترول ودخله مجرد مصدر لدفع فوائد تلك الديون خدماتها. تحت ضغط أزمة الديون المتصاعدة توجه حكام الإكوادور إلى الطريق الخطأ لمواجهة آثار تلك الأزمة, فبدأ البنك المركزي يمول السوق الوطني عن طريق طبع عملات لا رصيد لها, مما أدى إلى زيادة التضخم بنسب رهيبة وصلت في بعض السنوات إلى 1000 في المئة. دخل البترول من العملات الصعبة لم يكن في الحقيقة سوى أداة من أدوات الضمان للحصول على مزيد من الديون, وبالتالي مزيدا من التضخم, إضافة إلى ما يخلقه هذا الوضع من فساد بين الطبقة السياسية, التي لم يعد لها من هم سوى إبعاد العملات الأجنبية عن البنوك الوطنية, وتحويلها إلى البنوك الأجنبية, حماية لها من الانقلابات العسكرية التي كانت السمة الغالبة على الحكم خلال فترة الستينيات والسبعينيات في معظم دول أمريكا اللاتينية, بفضل النشاط المحموم للمخابرات الأمريكية, التي كان عملها يهدف أولا وقبل كل شئ إلى إحكام السيطرة السياسية للولايات المتحدة, ودعم النشاط المشبوه للشركات الكبرى التي هي في معظمها أمريكية, أي أحد مصادر تمويل النشاط السياسي بما فيها حملات الرئاسة الأمريكية. لم يكن الجيش الإكوادوري يعيش بعيدا عن الأزمة التي نشأت عن ديون البلاد المضمونة بدخل البترول, فقد كان جيش الإكوادور, مثل غيره من جيوش أمريكا اللاتينية, يحدد التوجهات التي يجب أن تسير عليها خطى السياسة الوطنية الداخلية, وتلك السياسة لا بد وان تصب في الاتجاه الذي تعمل فيه الشركات الكبرى, لأن معظم قادة هذا الجيش في الإكوادور وغيره من الجيوش في أمريكا اللاتينية, كانوا يتلقون تدريبهم الفني والأيديولوجي في القواعد العسكرية الأمريكية في فلوريدا وبنما. كان للجيش نصيب محدد من دخل البترول يقدر بنسبة عشرة بالمئة, تضاف إلى الميزانية المخصصة للدفاع في الميزانية العامة للدولة, وهذه النسبة كانت تذهب مباشرة إلى حسابات القادة العسكريين, الذين يوفرون الحماية للحكومة المدنية, لذلك لم يكن هناك أي تغيير في الوجوه السياسية ما لم يكن مدعوما من العسكر. مع مرور الوقت وتفاقم الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الاتجاه الخاطئ للحكومات, كان الفقر في زيادة حدة مستمرة, تلك الزيادة التي كانت تصب في فئة محددة تتكون في معظمها من أبناء وأحفاد الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين, الذين كانوا يتعرضون, إضافة إلى مأساة فقرهم وتخلفهم, للممارسات اللاإنسانية التي كان يمارسها العسكر ضدهم بدوافع متعددة. الاعتداءات المتكررة بلا مبرر من جانب الجيش والبوليس ضد الفقراء الهنود العزل خلقت مواجهة بين الهنود والمجتمع العسكري والمدني في الإكوادور, وتسببت في ظهور حركة مقاومة يتزعمها أبناء الهنود الحمر الذين نالوا حظا من التعليم خارج البلاد, وعادوا ليدافعوا عن حقوق أهلهم, ويطالبون بحقوقهم كمواطنين. منهم كانت الحركة التي أسقطت العام الماضي الرئيس جميل معوض, الذي وصلت الأوضاع الاقتصادية في عهده إلى حد لا يحتمل, خاصة بعد القرارات الاقتصادية غير الشعبية بتجميد الحسابات الخاصة في البنوك الوطنية, والتي تلتها قرارات القضاء على العملة الوطنية بإلغاء التعامل بها وإحلال الدولار محلها كعملة رسمية, مما أدى إلى انهيار ما تبقى من بنية اقتصادية في الإكوادور بعد فرار رؤوس الأموال الكبيرة إلى الخارج. لكن الجيش لم يشأ أن يعطي للهنود الحمر سكان البلاد الأصليين شرف هذه الثورة, فنزع النصر من أيدي الهنود الحمر بالتدخل المباشر في دعم نائب الرئيس ليكون رئيسا جديدا على الطريقة القديمة التقليدية, أي الإبقاء على الحال كما هو عليه, ولا أمل في أي إصلاح. بعد عام من ثورة الهنود الحمر وسقوط جميل معوض و الأوضاع تزداد سوءاً, لذلك عاد الهنود الحمر إلى ثورتهم من جديد, خاصة أنهم اصبحوا هدفا لحرب أخرى تأتيهم عبر الحدود مع كولومبيا, بعد أن أصبحت أراضيهم وقراهم هدفا للعمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش الكولومبي تحت إشراف الولايات المتحدة لتدمير مزروعاتهم, بحجة مطاردة مهربي المخدرات في كولومبيا. الأزمة تستحكم في الاكوادور, وتضيق في الوقت نفسه الحلقات حول رقاب من هرب من شعب الإكوادور إلى أوروبا بحثا عن مصدر للرزق, خاصة بعد قوانين الهجرة الأخيرة, التي بدأت تطبقها الحكومات الأوروبية لإعادة هؤلاء المهاجرين إلى بلادهم ليواجهوا من جديد الفقر والجوع والجيش والبوليس في (جمهورية الموز) التي لم يغيرها كثيرا ظهور البترول في أرضها. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات