قرأت في قصاصة قديمة كلمات تشبه ما يشعر به كل الناس قرأت: (وعندما رحل, وأمعن في الغياب والبعد, سقطت روحه في الوحشة, وبدأت تفاصيل الوقت تحاصر الذاكرة, وبدأت الذاكرة تهاجم حنايا قلبه.. فكتب اليها مستغيثاً: لقد اضطرني القدر للجفاء, فهل تعذرين؟ فكتبت له عاجلاً: ولقد اضطرني الجفاء للصمت فهل تحتمل؟). وقرأت كثيراً عن أناس يكتبون الى باب حل المشاكل في الصحف والجرائد يطلبون نصحاً او مخرجاً من مشكلة كأنه لا انقاذ منها ولا حل لها ويسألون بيأس: كيف ننسى؟ هل يتوجب علينا ان نكره كي ننسى؟ وتنهال فيما بعد السؤال سطور من النصائح لا طعم لها! وقرأت ذات يوم عندما كنت طالبة في المرحلة الثانوية وكنت أدمن قراءة مجلة (العربي) الكويتية عبارة صغيرة كانت المجلة تختار منها الكثير وتنثرها بين الصفحات كانت العبارة تقول: (إن المعنى المضاد للحب ليس الكره ابداً, الحالة المضادة للحب هي ان لا يصبح لديك احساس تجاه من كنت تحب) ولم افهم يومها المعنى بالضبط, فالمعنى ليس حالة نظرية وانما حالة يجب ان تعاش بكل تفاصيلها. اليوم وبعد ان قرأنا جميعا حول الحب كثيراً وحول خيانات الاصدقاء والاحباب, وحول السقوط في التعاسات التي يخلفها الجفاء والرحيل, وبعد ان صقلتنا التجارب والمشاهدات صرنا نجمع فعلاً على صدق ما كتبته مجلة (العربي) الكويتية بأن عكس الحب ليس الكره ابداً, وانما هناك ما هو اقسى الا تشعر بمن كنت تحبه, وافضل حالة يمكنك ان تربي روحك على الولوج فيها بتصوف وطهارة هي ان تنسى الاساءة ومن اساء اليك! اليس ذلك افضل من الوقوع تحت ضغط الكراهية والانتقام والبغض ومراكمة الاوجاع والتذكارات البائسة واستحضار السيئات, واجترار ما كان وما مضى بلا فائدة؟ لا يمكن احتمال الحياة مع الألم, مع أن الألم احد ثنائيات الحياة ومتضاداتها الطبيعية, لكنه يبقى مرادفاً للتعاسة التي لا تحتمل, فما الحل اذن؟ بالتأكيد ليس بأن نكره حتى ننسى بل بأن ننسى حتى لا نكره, نهرب من وحش الكره الى ذواتنا الى كهوفنا ودواخلنا, الى سلامنا وصفائنا لنحتمل كل الحروب التي تحدث في الخارج قريباً من الكهف او حتى تلك التي تطرق ابوابه بلا رحمة. الوجع لا يطاق, وان نتعلم كيف نواجهه بشجاعة هو عين الصواب والحكمة, لكن كيف نصل للصواب وكيف نجد الحكمة فذلك هو السؤال؟ هل نتعلمهما ام نولد بهما ام نكتسبهما؟ ام يدلنا عليهما الآباء والامهات؟ لا جواب عندي, لكنني اظن ان الحكمة ضالة المؤمن انّى وجدها فهو أولى بها, وجميل ان نقف في مواجهة الحكمة كما نقف في مواجهة البحر والسماء وان نقرأ كتاب الحكمة بتمهل.