الحنين للماضي سمة انسانية غالبة تلازم كل البشر الا قليلا, سواء عند مستواها العادي او عندما تتحول إلى آفة مرضية, تسلبنا سلامنا النفسي, وتدفعنا للانسحاب من الحاضر, للعيش داخل مغارات الماضي, نطارد اشباحه, ونستعيض بلحظاته السعيدة المجيدة بؤس وشقاء اللحظة الحاضرة, فضلا عن فقدان الامل في المستقبل. على ان آفة العيش في الماضي, او (النستالجيا) كما يسميها علماء النفس, لم تصادف رواجا في حضارتنا العربية الاسلامية حتى ان البكاء على الاطلال وتذكر ديار الحبيبة كما كان يستهل شعراء العرب به قصائدهم لم يكن تعبيرا عن استحواذ الماضي على مكنون وجدانهم, بقدر ما كان تمهيدا للولوج في خضم الحاضر, والقفز نحو آفاق المستقبل. فالبكاء على الاطلال كما مارسه شعراؤنا العرب, قدم لنا درسا في فن التعامل مع تيار الزمن المتدفق, او الزمن الوجودي كما يراه الفلاسفة, الذين اجهدوا العقل البشري للتوصل الى لغز الزمن او العمر او التاريخ, من أية زاوية نظرت اليه, فردية كانت او جماعية, فلسفية كانت او حياتية تلتصق برؤية رجل الشارع غير المهموم باندهاشه الفيلسوف. فنحن جميعا, مهما اختلفت مشاربنا وتعددت رؤانا, وتباينت جذورنا, نحنّ بدرجة او بأخرى لمرابض الطفولة والصبا, تسيطر علينا في لحظات السعادة او الكدر عاطفة جياشة نعجز عن مغالبتها ونستعيد بها صورة مهما كانت متواضعة بمقياس الاخرين, الا انها تمنحنا الثقة وتفيض على نفوسنا بثراء معنوي, يكسب الحياة طعمها وبها نتغلب على دوامة اللحظة الحاضرة. ومن تداخل او تصارع وتفاعل لحظات العمر او الزمن الثلاث تتشكل رؤيتنا لأنفسنا وللآخرين: لحظة مضت ولم نعد نمتلك منها سوى اطياف ذكرى, ولحظة حاضرة معاشة نكتوي بتغيرها الدائم, وندخل معها في سباق غير متكافىء, نخسر فيه دائما, عندما تفلت من بين اصابعنا, ولحظة لم تولد نتطلع اليها ونتشوق الى مجيئها, وهي تمر بنا مر السحاب. لهذا نجد انفسنا دائما, في تيار متغير لا ينقطع من الزمن, حائرين مابين لحظاته الثلاث, وتنقطع قلوبنا مابين شوق وحنين للماضي, واندماج في الحاضر, او هروب منه, وشوق جارف لمستقبل يأتي بما لم تأت به الاوائل, وهكذا تمضي بنا الحياة. لكن القضية ليست ابدا بهذا التبسيط فالوعي والارادة والايمان بخالق الزمن وخالق الكون كله, يفتح امامنا أفقاً أرحب مما نتصور ولا نقدر على تخيله, أفق امتداد أخروي, يحررنا من سجن الدنيا بزمانها المحدود ويدخلنا في أبدية, ويمنح وجودنا معنى وقيمة, لهذا نسترجع كلمة الشاعر محد اقبال: اذا الايمان ضاع فلا أمان..