استراحة البيان ، الصباح الأبيض، يكتبها اليوم جابر عصفور:

كان اول مارأيته عندما أزحت الستارة عن زجاج النافذة هو لون البياض الذى يغطى كل شئ , ويمتد على مرمى البصر وكأنه ملاءة بيضاء متعرجة تنبسط الى مالا نهاية. قال لى الأصدقاء، قبل وصولى الى مدينة كيمبردج الأمريكية, ان هناك عاصفة جليدية عاتية, ويبدو أن هذه العاصفة توقفت فى اليوم الذى وصلت فيه الى الولايات المتحدة. قال لنا الطيار ونحن نهبط الى مطار مدينة بوسطن, ان الجو صاف, والسماء بديعة, ولم تعد هناك عاصفة ولا رياح قوية. وقلت لنفسى: هذا فأل حسن. وبالفعل كانت السماء صافية بلا غيوم خلف زجاج الطائرة, وخلف زجاج ممرات المطار, ويبدو أن صحو الجو ترك أثره على الجميع, فداعبنى رجل الجوازات عندما عرف أننى قادم الى بلده لأعمل أستاذا زائرا فى جامعة هارفارد, وقال لى لابد أنك رجل مهم حتى تكون فى هارفارد, ولم يتركنى الا بعد أن أبلغنى آخر اخبار المباحثات بين الفلسطينيين والاسرائيليين على الأرض المصرية, وتركنى بعد أن لاحظ تململ المنتظرين دورهم. وخرجت من المطار, وكانت سماء بوسطن بديعة, وصحبنى زميلى الأمريكى البروفسور بيل جرانارا فى سيارته الى مدينة كيمبردج التى تقع على الضفة الأخرى من نهر شارلز فى مقابل مدينة بوسطن, وسرنا فى موازاة النهر الذى كانت أضواء السماء الصافية تنعكس على صفحته المغطاة بالجليد, فيبدو الجليد لامعا بلونه الذى يميل الى الزرقة نتيجة انعكاس ضوء السماء. وداعبنى زميلى قائلا: هل ترى اختفت العاصفة قبيل مقدمك مباشرة, وتبدو السماء صافية اليوم كأنها ترحب بك. قلت له: لابد أن تعلم اذن أن مقدمى فأل حسن, وأن عليك أن تعاملنى على هذا الأساس. وظللنا نضحك طوال الطريق الى أن وصلنا إلى مساكن الجامعة, ودخلت الى العمارة التى اسكنها, وصعدت الى الدور الرابع والأخير بلا مصعد كهربائي. وعابثنى زميلى بيل عندما رأى لهاثى وأنا أحمل حقيبة سفرى, صاعدا على الدرج: هذا جيد, اعتبر صعود هذه السلالم بدون مصعد كهربائي بمثابة تمرين يومى حتى تفقد بعض وزنك, فقد أصبحت سمينا بما يستلزم اتباع رجيم قاس ونظام غذائي صارم, وأعدك أن نبدأ من الغد رياضة المشى لمسافات طويلة حتى تفقد وزنك الزائد. ولم أقل شيئا, فقد كنت ألهث من حمل الحقيبة الثقيلة واصعد الى الدور الأخير وأنا منقطع النفس. وأخيرا وصلنا الى (الشقة) الصغيرة التى سأقيم فيها وحدى للشهور الأربعة المقبلة. وبالكاد أفرغت الحقيبة بمساعدة زميلى, وتعرفت الى الشقة التى أعجبتنى أناقتها, وسرعان ما اكتشفت كل مافيها تماما. وبعد أن هدأت أنفاسى, وتأكد اطمئنانى, قبلت دعوة زميلى الصديق الى العشاء, وذهبنا الى مطعم فرنسى أنيق فى الشارع الرئيسى الذى يقع بالقرب من الشارع الصغير الهادىء الذى أسكنه. وتركت زميلى الصديق يحدثنى فى كل شئ عن أحوال الجامعة, بينما تركت لعقلى العنان كى يستمتع بالهدوء الساحر الذى يغمر كل شئ, كما تركت لعينى أن تبتهج بمنظر الجليد الذى يغمر الأرصفة, والمبانى, ويحيط بكل شئ كالدقيق الأبيض, وبدا لى كل شئ حولى مغسولا, ناصعا, لامعا بهيجا, جميلا جمال السكون الأبيض, ورقيقا رقة الليل الذى أسقط غلالته السماوية على امتداد الأرصفة المغطاة بالثلج المتبقى من العاصفة الجليدية. وغمرنا المطعم, عند دخولنا, بالدفء الذى يعرف معناه من يسير وسط الجليد, ويحاذر فى مشيته كى لا تنزلق قدمه, بينما هواء الليل الثلجى يعابث الوجنات بملمسه البارد . وتركنا أنفسنا للدفء الذى يغمر المكان, وأصوات البهجة التى تنطوى على دعوة مضمرة بسهرة هادئة. وبالفعل, كانت السهرة هادئة, لا تخلو من بعض الصخب الناعم الذى كانت تقودنا اليه الأحاديث العامرة بذكرياتى الطيبة فى مدينة كيمبردج الهادئة. وعندما لاحظ زميلى الصديق علامات النوم الذى لم أفلح فى مقاومته, خصوصا بعد أن قضيت أكثر من ثمانى عشرة ساعة فى السفر من القاهرة الى لندن, ومن لندن الى بوسطن بعد الانتظار الممل لساعات فى مطار هيثرو, ومقاومة الملل بالتجوال فى السوق الحرة. وعدنا الى الشارع من جديد, نسير فى اتجاه بيتى على الأقدام , وتركنى زميلى امام المنزل الذى أصبح مقامى, وتمنى لى نوما هادئا وأحلاما سعيدة. وكان نومى هادئا لم يقطعه شئ. ولكنى لا أذكر اذا كنت قد حلمت أحلاما سعيدة أم لا, فأنا أنسى احلامى عادة بمجرد أن أستيقظ من النوم, ولا أذكر منها شيئا. المهم اننى استيقظت مستريحا, شاعرا بالنشاط الذى يدب فى أعضائي تدريجيا, وقفزت من سريرى الى النافذة الكبيرة الموازية للسرير, وأزحت الستارة المعدنية لأترك الضوء يغمر الغرفة تماما بلونه الأبيض البهيج. ووقفت خلف الزجاج, مسترخيا مع الدفء الذى ينبعث من المدفأة التى تقع خلف النافذة مباشرة. وأخذت أتطلع الى ما وراء الزجاج, مستكشفا المكان. وكان الانطباع الأول هو البياض الذى يغمر كل شئ, والنقاء الناصع بلون طبقات الجليد المسترخية فوق الأسقف مغطية كل شئ ماعدا بعض البقع الحمراء أو الزرقاء القاتمة بلون القرميد الذى يظهر من خلال الأغطية الجليدية للأسطح, قرب رؤوس المدافئ التى تطل من سطح الجليد مزهوة بقاماتها التى لا يبقى على سطحها الدافئ الجليد. وأسقف المنازل المحيطة بالحديقة المغطاة بالثلج, كانت بعض أكوام الثلج تنتظر من يأتى لحملها من مكانها الذى تجاوز بعض عربات النقل الصغيرة, فبدت محملة بالثلوج التى ظلت تنهمر عليها فى الأيام الماضية. وعندما مددت عينى فى الاتجاه الآخر, لمحت الشارع الرئيسى الذى يحمل اسم الولاية التى تقع فيها مدينة كيمبردج, وربما بسبب صعوبة الاسم, ينطق الجميع اسمه مختصرا, فيقول شارع (ماسا) اختصارا لكلمة ماساشوست, كانت بعض عربات ضخمة (جرافات) تجرف الجليد, وتكومه على الأرصفة كى يصبح الطريق صالحا تماما لسير العربات بسهولة. ولم أكن أرى أحدا يسير فى الطريق الذى بدا خاليا الا من بعض المارة, العابرين, أو بعض الذين يمارسون رياضة الجرى الصباحي. وشعرت بالمزيد من النشاط لرؤية الأجسام الرياضية الرشيقة. وقلت لنفسى: لماذا لا تنزل الى الشارع, وتجرى مثلهم؟ ! وكدت أفعل, ولكنى تذكرت أن على أولا أن أرتدى الملابس التحتية الصوفية, وفوقها القميص الصوفى والبنطلون السميك, ثم أرتدى الحذاء الثقيل الذى يشبه الدبابة, وأخيرا فوق كل ذلك البالطو والكوفية والجوانتى وغطاء الرأس, وصرخت بينى وبين نفسى: واغوثاه. وسرعان ماقررت الخروج من غرفة النوم والذهاب الى المطبخ لاعداد القهوة الصباحية والاكتفاء فى هذا الصباح الأبيض بالمشاهدة والتأمل الهادئ حول هذا المدى اللانهائي من البياض الذى يغمرنى بالبهجة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات