يبدو أنه بات من المتعين اعادة قراءة ملف الصراع العربي الإسرائيلي جيدا, اثر حديث الرئيس حسني مبارك للمثقفين في معرض القاهرة للكتاب حول التهديدات الاسرائيلية, محذرا من مغبة المزايدات، الانتخابية غير المسئولة في اسرائيل, مؤكدا على أن مصر قد وعت جيدا دروس نكسة يونيو 1967 ولن يتكرر مجددا, وأن قواتها المسلحة جاهزة على أهبة الاستعداد للدفاع عنها, ولا شك أن الرئيس وضع النقاط على الحروف, إذ رغم أن اتفاقية كامب ديفيد تؤسس لمرحلة جديدة من السلام بين مصر واسرائيل, الا ان كل طرف فهم السلام بشكل مختلف, فبينما راهنت اسرائيل على اقصاء مصر عن الصراع العربي الإسرائيلي مقابل الانسحاب من سيناء, لكنها اخطأت التقدير والحسابات, وذلك أن مصر تؤمن بأن السلام مع اسرائيل انما مرحلة لما بعدها من مراحل متصلة وحتمية لاحلال السلام الشامل والعادل الذي يعيد لكافة الدول العربية أراضيها المحتلة وحقوقها المشروعة, وغاب عن اسرائيل كذلك أن مصر بادرت الى التداعي لمخطط الابادة والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني, عندما شاركت بقواتها المسلحة في حرب ,1948 ولم تكن سيناء محتلة عندئذ ولا مهددة بالعدوان, ومن هنا يأتي مفهوم مصر للسلام لا بمعنى الانكفاء على الذات, وانما يكمن في شموله منظومة الامن القومي, ولعله يفسر مصداقية التصريح الذي أدلى به وزير الخارجية عمرو موسى في دمشق, من أن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي اذا ما خاطرت اسرائيل بالعدوان على سوريا! تلك هي القضية ومعادلاتها بكل وضوح, وهي أن اسرائيل شعبا وأحزابا ومؤسسة عسكرية غير جاهزة للسلام وانهاء حالة الحرب مع العرب, وأن السلام كما عبر عنه أرييل شارون رئيس الحكومة القادمة التي تجمع عليه استطلاعات الرأي العام في اسرائيل مجرد حالة (لا حرب) مع مصر على حد قوله لصحيفة (يدعوت احرنوت), بمعنى آخر متكافئ مجرد هدنة, أما بقية الجبهات العربية فالحرب مفتوحة على كل الاحتمالات, ومن هنا لا أحسب أن هناك ما يستدعي الانزعاج والمخاوف في نوايا اسرائيل ازاء التزامها بمعاهدة السلام مع مصر, فعهدنا معها دوماً التنصل من الاتفاقيات والوعود كلما جد جديد يؤمن مصالحها والحفاظ على أمنها فحسب, الأمر الذي يفرض على أجهزة الاعلام ومراكز البحوث السياسية والاستراتيجية المصرية على وجه خاص, تسريع وتيرة استقراء مستقبل الصراع الإسرائيلي في ضوء المستجدات الاسرائيلية والمتغيرات الاقليمية والدولية, وعليها الاجابة على عدة تساؤلات جوهرية وحيوية حول رد الفعل المصري المطلوب, فيما اذا جسد شارون أوهامه الى حقيقة بالتراجع عن اتفاقية السلام وغامر بتكرار مهزلة يونيو ,1967 أو تهديدات أفيدور ليبرمان زعيم حزب (اسرائيل بيتنا) بتفجير السد العالي, وكذلك فرض الاستسلام عسكريا على الفلسطينيين وتوجيه ضربة اجهاض للقوات السورية في اراضيها في لبنان, ولماذا استبعاد ايران, بينما شارون يتوعدها بالانتقام لسببين (الأول) حيازتها لمنظومة الصواريخ (شهاب 3) التي يصل مداها 1800 كيلو متر الى أي مكان في اسرائيل (الثاني) تأكيد القيادة الايرانية على تفعيل تحالفها الاستراتيجي مع سوريا في حالة تعرضها للعدوان الإسرائيلي, واذا كانت اسرائيل البادئة بالهجوم في ثلاثة حروب مع العرب (,48 ,56 1967), بينما بادرت مصر وسوريا الى الهجوم في حرب أكتوبر ,1973 فالمطلوب من مصر أولا: لا أن تستعد لخوض الحرب مع اسرائيل وهو ما نفاه الرئيس مبارك وانما ان تعبئ امكاناتها وطاقاتها لردع اسرائيل وإجهاض نواياها في شن حرب هجومية مباغتة ضدنا, وعندئذ فقط نستطيع الادعاء بأننا وعينا درس نكسة 1967 الذي أكده الرئيس مبارك.. شكرا لشارون الذي ذكرنا من جديد بسجله الدموي انه لم يزل داعية حرب وابادة للعرب الى مالا نهاية! على أن القضية لها وجه آخر, وعلينا كعرب التحلي بالصراحة والموضوعية اذا تعرضنا لصورة الخلافات والتمزق والضعف العربي, فلا شك أنها ماثلة بكل تفاصيلها المأساوية امام اسرائيل, واستبعادها بالتالي لأي رد فعل عربي له وزن مؤثر في حالة انفرادها بالعدوان على أي من الجبهات العربية, بل وواثقة تماما من أن العديد من الجيوش العربية سوف تحجم عن الزج بقواتها لدعم الجبهة التي تواجه العدوان.. رغم ما لديها من الاف الطائرات العسكرية والدبابات الأمريكية والأوروبية الحديثة, وحتى لو توافرت الارادة السياسية فجأة أو في حينها كما حدث في معظم الحروب العربية مع اسرائيل, فالمشكلة تكمن في غياب اتفاقيات سابقة للتعاون والتنسيق العسكري المشترك والافتقار الى قيادة عسكرية موحدة, والى خطط دفاعية جاهزة. ولنضرب مثالاً قريباً وماثلاً للأذهان وأعني الانتفاضة الفلسطينية, ونجد أن الدول العربية تداعت لها من منطلق (رد الفعل) وليس من منطلق الفعل في اطار خطة استراتيجية جاهزة ومبرمجة لادارة الصراع العربي الإسرائيلي, وسوف نكتشف أن الانتفاضة قد دفعت بالاحتياطي البشري من الشباب الفلسطيني لمواجهة القوات الاسرائيلية, وقدمت أكثر من 400 شهيد ونحو 15 ألف جريح ومعوق, بينما الدعم المالي الذي وافقت عليه في القاهرة لم يصل منه دولار واحد حتى الآن للسلطة الفلسطينية, في الوقت الذي بلغت خسائر الاقتصاد الفلسطيني حسب التقديرات الاسرائيلية خلال أربعة شهور أربعة مليارات دولار, اضافة الى كساد تسويق الانتاج الزراعي وبطالة نحو 150 ألف عامل, الا تشي هذه الأوضاع السيئة بالدوافع التي أملت على السلطة الفلسطينية خوض غمار المفاوضات الماراثونية في طابا وتقديم تنازلات نسبية, وتنشيط مهام الدوريات العسكرية المشتركة لمنع العنف المتبادل, وقمع أو تحجيم الانتفاضة بالأحرى لمجرد تبييض وجه باراك أمام الناخب الإسرائيلي, بدعوى أن شروره أقل مما ينتظر الفلسطينيين على يد شارون, رغم أن هذه العشوائية واللامنهجية في ادارة الصراع قد تؤدي الى قسمة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي حققتها الانتفاضة والعودة الى المربع الأول. كل هذا وغيره من الممارسات العربية السلبية يصب تلقائيا في مصلحة اسرائيل, بينما الطريق واضح ومستقيم لردع اسرائيل وتحرير فلسطين عبر وحدة الارادة العربية ووحدة الصف العربي ووحدة آليات الدفاع العربية و.. نحسب من هنا أنها فرصة ثمينة للتفاكر ونقد الذات القومية, والايمان بالحتميات الاستراتيجية, بعد زهاء اثنين وخمسين عاما من الصراع مع اسرائيل لم نجن بعدها قطوف السلام وانما الحصرم والحنظل. وشكراً لشارون.