بين (العقيد) والخبير، بقلم: أحمد عمرابي

هل من الممكن فعلاً أن يكون قرار القضاة الاسكتلنديين في محكمة كامب زايست في هولندا القاضي بإدانة المتهم الليبي عبدالباسط المقراحي في حادثة تفجير طائرة الركاب الأمريكية قد صدر بناء على ضغوط سياسية في الحكومتين الأمريكية والبريطانية؟ هذا التشكيك صدر عن الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي قبل بضعة أيام. لكن هناك اعتبارات قوية تنتقص من مصداقية حديث العقيد. فالعقيد القذافي يجد نفسه في موقف الدفاع عن الذات بحكم ان المسئول الاستخباراتي عبدالباسط المقراحي محسوب على نظام الزعيم الليبي. ثم ان العقيد يواجه حرباً سياسية شرسة من قبل الحكومتين الأمريكية والبريطانية وأقارب ضحايا حادثة الطائرة ترمي الى إدانته شخصياً ومعه بعض كبار المسئولين في النظام. بالتالي فإنه كان متوقعاً أن يعمد الزعيم الليبي الى نقد حكم المحكمة وعدم الاعتراف به في كل الأحوال إذا جاء منطوياً على إدانة المقراحي أو رفيقه المتهم الليبي الآخر الأمين فحيمة. وفي كل الأحوال أيضاً فإن العقيد يتحدث في هذا السياق كسياسي ينظر في الأمر من جانبه السياسي لا القانوني الصرف. مع ذلك نشأ شك ما بشأن المحاكمة في شخصية لا يمكن الطعن في أوراق اعتمادها بحال من الأحوال: روبرت بلاك الخبير القانوني المخضرم وأستاذ القانون في بريطانيا. لقد فجر البروفيسور بلاك قنبلة (قانونية) هذا الأسبوع عندما أعلن ان الحكم الصادر على المقراحي يستند الى (أدلة ضعيفة جداً جداً.. وهو بالتالي غير عادل). وقال انه (فوجىء وصُدم تماماً بهذا الحكم). وقال البروفيسور (إن الأدلة كانت ظرفية للغاية.. لم أعتقد ان بإمكان قاض اسكتلندي إدانة شخص ما على أساس أدلة كهذه). مصداقية هذا القول الفصل تنطلق من كون هذا الرجل ليس ليبيا.. وثانياً, انه ليس طرفاً في القضية.. وثالثاً انه أستاذ قانون.. ورابعاً ان تخصصه كقانوني هو القانون الاسكتلندي.. وأخيرا, وليس آخراً, ان روبرت بلاك نفسه اسكتلندي. إذن (شهد شاهد من أهلها). فماذا يعني قول هذا البروفيسور القانوني الاسكتلندي تفصيلاً؟ لي صديق قانوني عربي اطلع على نص الحيثيات الصادر عن المحكمة الاسكتلندية بعد ان حصل عليه عن طريق الانترنت. تقول الحيثيات ضمن ما تقول ان قضاة المحكمة اعتمدوا على اقوال ثلاثة شهود رئيسيين ضد المقراحي. ومن ثم تنتقل الحيثيات الى التشكيك في أقوال كل منهم. أحد الشهود هؤلاء هو الليبي عبدالمجيد الجعايكة الموظف سابقاً بالاستخبارات الليبية. وتعليقاً على روايتين أدلى بهما هذا الشاهد قالت الحيثيات مرة انه (ليس بوسع القضاة ان يثقوا بأقوال الجعايكة في هذا الشأن). وقالت مرة أخرى ان القضاة ليس بوسعهم (ان يقبلوا رواية العميل الليبي في هذا الشأن). وعن الشاهد الثاني إدوين بولييه قالت الحيثيات ان شهادته (ناقضت نفسها) أكثر من مرة. ووفقاً للحيثيات قال الشاهد الثالث توني جاوش انه (ليس متأكداً مئة بالمئة) ان الشخص الذي اشترى من محله في مالطا ملابس جاهزة هو المقراحي. إن القضية التي كانت مطروحة أمام القضاة الاسكتلنديين كانت كما يلي: هل يستطيع الادعاء أن يثبت ان أياً من المتهمين أو كليهما مسئول عن زرع متفجرة في الطائرة الأمريكية (بما لا يدع مجالاً للشك؟). والآن وبعد صدور الحكم بإدانة أحد المتهمين يقول البروفيسور روبرت بلاك الذي ابتكر فكرة عقد المحكمة خارج اسكتلندا كخبير قانوني مرموق متخصص في القانون الاسكتلندي إن الحكم غير عادل. فالشك يحيط بكل واقعة تفصيلية في سيناريو هذا المسلسل القانوني. ومن هذا المنظور فإنه لا يصح أن نسفّه تصريحات العقيد القذافي رغم دوافعها الذاتية والسياسية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات