وإذن فلا غنى عن الوعي الايكولوجي وعي المشاكل التي يمكن أن تلم بالبيئة من جراء تنامي النشاط البشري بما ينطوي عليه هذا النشاط من إيجابيات وسلبيات. والوعي لا يمكن أن يتأتى بقرار يصدر من فوق الوعي لابد وأن ينبع من صفوف الناس.. القواعد الجماهيرية التي لا ينبغي لها أن تدرك, بيقين, أن قضايا البيئة لم تعد ترفاً ولا اشتغالاً بالكماليات ولا هي أمر مقصور على كوكبة العلماء ومجموعات الاختصاصيين. الوعي البيئي يبدأ مع استهلاك عملية التنشئة والتطبيع الاجتماعي.. مع أولى الخطوات التي يدرج بها الطفل على أديم الحياة.. يكتشفها ويحاول أن يتعامل معها. دور المجتمع المدني بهذه الصفة الجماهيرية.. فلا غنى بالتالي عن أن يكون ثمة دور فعال وإيجابي ومتواصل يضطلع به المجتمع المدني بمؤسساته المختلفة.. وهي مؤسسات أهلية, غير حكومية, شعبية وجماهيرية بالدرجة الأولى. هذا هو ما يقصده بالضبط العالم الأمريكي جاري جاردنر حين يدعو إلى تزويد المجتمع المدني بمؤسساته تلك بكل السبل والوسائل التي تجعله قادرا على أداء هذا الدور. والأستاذ جاردنر يصوغ في هذا الصدد دعوة تلخصها العبارة التالية: تمكين القاعدة ومصطلح (التمكين) بدوره تعبير مستجد في قاموس الأدبيات الدولية المعاصرة.. بدأت بدعوة منذ مؤتمر بكين للمرأة في عام 1996 إلى (تمكين المرأة) ثم ما لبث أن اتسع ليشمل ضرورة تزويد كل قطاعات المجتمع بإمكانات المشاركة الفعالة في انجاز المهام التي تمس أوسع المصالح الوطنية والقومية وقد تضيف.. والكونية أو الكوكبية في إطار ما أصبح يسمى بظاهرة العولمة. الامارات في دافوس في هذا الاطار يمكن أن نفهم الدعوة التي أطلقها بالأمس القريب مسئول كبير في دولة الامارات استطاع أن يضع يده بحق على جوهر القضية فأكد في خطاب مهم ألقاه في أواخر يناير الماضي على ضرورة (توسيع المشاركة الشعبية وتطوير المؤسسات البرلمانية التمثيلية (بمعنى النيابية) وتمكين شعوبنا وقطاعنا الخاص من المنافسة على مستوى عالمي (سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم دافوس سويسرا ــ 26/1/2001). لماذا المجتمع المدني؟ لأنه يشمل جموع المستهلكين الذين يتلقون ويستخدمون عائد عمليات الإنتاج والخدمات ومنهم جموع الناخبين الذين يشاركون, أو ينبغي اشراكهم في عمليات صنع القرار ابتداء من المستويات المحلية والجهوية والاقليمية صعودا إلى المستويات الوطنية والقومية, لا سيما وأن القرارات المتعلقة بنواحي البيئة وآثارها تمس حياتهم في الصميم. نتائج استطلاعات الرأي وقد أثبتت الاستطلاعات العلمية أن مؤسسات المجتمع المدني هذه, وهي مؤسسات جماهيرية بالدرجة الأولى بمعنى أنها تضم مواطنين عاديين وبسطاء وإن كانوا أصحاب مصلحة جوهرية في التحول نحو الاستدامة.. كما عرضنا إليها في الجزء الأول من هذا المبحث هذه المؤسسات على استعداد للمشاركة أو هي بتعبير البروفيسور (جاري جاردنر) الذي نحيل إليه, تمثل أرضا مهيئة تماما للمشاركة في إطلاق هذا التحول المنتظر نحو التعامل مع الطبيعة, ومواردها, والتفاعل مع البيئة وأبعادها وإمكاناتها بمنطق الترشيد والتقنين والحفظ والاقتصاد وصون التوازن المرهون الذي أبدعه فاطر السموات والأرض جل وعلا بين المنظومات الايكولوجية المختلفة. ولا تحسبن أيضا أن استطلاعات الرأي المذكورة قد اقتصرت على تباين اتجاهات الشعوب في الأقطار المتقدمة كم من شعوب في بلدان نامية, وفقيرة أيضاً باتت على وعي بأهمية المشاركة في التعامل مع قضايا البيئة وفي العمل على التماس حلول لمشاكلها. في عام 1998 تم إجراء مسح شامل لاستطلاع رأي القواعد الجماهيرية في 28 بلداً من بين أكثر بلدان العالم ازدحاما بالسكان وعددها بالمناسبة 30 بالتمام والكمال, ومعظمها, كما لا يخفى عليك, أقطار نامية وفقيرة أيضا وقد أشرف على هذا المسح الهام الهيئة الدولية لمراقبة البيئة (انترناشونال مونيتور). ومن واقع نتائج المسح اتضح أن الغالبية الأعظم من سكان تلك البلدان.. ومنهم كما قد قدر قوم فقراء وربما أميون أكدوا أن قوانين البيئة في بلدانهم بحاجة إلى دعم وتصحيح ومراجعة وتعزيز إلى حيث تصبح أكثر وضوحا وأشد حزما وانضباطا. والأكثر من هذا أن غالبية من سكان 26 بلدا من تلك التي خضعت لهذا المسح العلمي الدولي أكدوا أن الأمر يقتضي المبادرة إلى اتخاذ قرارات فورية قوية جازمة حازمة من أجل تحقيق الآثار السلبية الضارة التي لحقت بالبيئة من جراء أنشطة البشر. في هذا السياق يقول كتاب (حالة العالم سنة 2001) الصادر مع مطالع العام الحالي, وقد أشرنا إليه منذ الجزء الأول من هذا المبحث. * أن الأنشطة البشرية ما زالت تؤدي إلى تعرية سطح الأرض من غابات كاملة وإلى استنفاد مياه الأنهار إلى أن تصل لحالة الجفاف وإلى رفع منسوب السطح في بحار الدنيا السبعة). * تأتي الهند في مقدمة الأقطار التي شهدت اجراء الاستطلاع المذكور وقد بدا سكانها في حال من تغير الوعي صعودا وعمقا إزاء مشكلات البيئة التي يعيشون فيها ويتعرضون لأخطارها. ويقول كتاب (حالة العالم سنة 2001) أن نفس الاستطلاع سبق إجراؤه عام 1992 حول مدى اهتمام الجماهير الشعبية بمسألة البيئة ولم يفصح عن الاهتمام بهذه القضية, أي اهتمام, سوى نسبة 6 في المائة فقط من الهنود.. ولكن عندما عاودوا اجراء المسح في عام 1998 كما المحنا.. أكد هذا الاهتمام وبعمق شديد نسبة وصلت إلى 27 في المائة من أفراد الشعب الهندي وهي نسبة يعتد بها كثيرا في مدى ست سنوات لا تزيد. أشواق الروح أيضاً من ناحية أخرى, يوضح المهتمون بهذا المجال أن قضية البيئة لا تقتصر فقط على النواحي المادية.. بمعنى الموارد الطبيعية المتعارف عليها, ما بين المياه والغابات إلى البترول والغاز أو ما بين الصحارى والمحيطات إلى معدل هطول الأمطار ومشاكل ثقب الأوزون.. الخ ان هناك جوانب غير مادية.. جوانب ترتبط بالوجدان وبالابعاد الروحية في نفس الإنسان وفي حياة البشر.. ربما تكون ترجمة بسيطة أو استهلالية أو تجريدية للمقولة الشهيرة أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.. أو بالمقولات الأخرى التي تدخل في باب فلسفة الاقتصاد ومفادها أن الإنسان أكبر من أن يكون مجرد حيوان مستهلك. فصيل ثقافي جديد نريد في هذا السياق أن نسترعي الأنظار إلى فصيل ثقافي معرفي, جديد يشق طريقه الآن ولو على استحياء وسط دوامات الحياة المعاصرة بكل ماديتها وكل جوانبها الاستهلاكية وربما الاهتلاكية وبكل ما ينطوي عليه ذلك من خطل السرف ومهاوي التبديد والاهدار. ثمة دراسة اجتماعية نفسية أجريت في أمريكا عام 2000 الماضي وأوضحت نتائجها امرا مستجدا ومهما على حياة مجتمع الغرب الصاخب المغرق في المادية والمتسبب حتى لا ننسى في حدوث غالبية المشاكل الأيكولوجية (البيئية) التي يعاني منها العالم. هذا الأمر يلخصه البروفيسور (جاردنر) في دراسته التي يضمها كتاب (حالة العالم سنة 2001) فيقول: اتضح أن هناك شريحة كبيرة من الأفراد البالغين الأمريكيين.. تصل إلى نحو 20 في المائة من السكان أصبحت تتبنى نظرة جديدة إلى الحياة والعالم تستند إلى قيم الاستدامة والمحافظة والترشيد والتوازن في التعامل مع البيئة ويطلق عليها وصف (المثقفون المبدعون) بحكم ما يتمتعون به من إمكانيات تؤهلهم لابتكار أو استحداث ثقافة جديدة وبفضل ما يتحلى به هؤلاء الأفراد من انشغال بالبيئة التي يعيش فيها البشر ومن حدب وحرص عليها ورغبة في إنشاء علاقات بناءة وإيجابية بين البشر والتزام بالسمو الروحي والارتقاء السيكولوجي, وعدم التعاطف مع المؤسسات الكبيرة (التقليدية المتكلسة) في المجتمع فضلا عن رفضهم للنزعات المادية ولتحديد مكانة الإنسان على أساس ما يملك أو يقتني من هذه الماديات. * وتلك أمور لها دلالتها.. ما بين فقراء الهند أو عامتها ممن يطالبون بمزيد من الانضباط في قوانين البيئة وما بين الامريكيين الموسرين أو على الأقل الميسوري الأحوال. اعادة التدوير والعلماء والساسة ومن في حكمهم من المفكرين والكتاب من أنصار البيئة ودعاتها وحماتها يلخصون مقولاتهم في ضرورة تغيير سلوكيات الناس. أفراد وفئات وطبقات في المجتمع.. ومن معالم هذه المقولات الملخصة ما يقول: * اعادة تدوير أكثر للمواد المختلفة بعد الانتفاع منها. ويقول: * قيادة أقل للسيارات بما ينجم عنها من عوادم كربونية وانبعاثات تضر بصحة البيئة وعافية الإنسان. * استخدام أرشد للطاقة سواء داخل المنازل أو في العمليات الصناعية. وبالنسبة للمقولة الأولى: في اعادة تدوير المواد المستخدمة تتيح إدامة وجود هذه المواد واستمرار عنصر الانتفاع منها في حياتنا ولا نتكلم هنا فقط عن المواد الخاضعة تقليديا لاعادة التدوير ومن ثم معاودة الاستخدام مثل البلاستيكات مثلا أو ورق الجرائد أو الخرق البالية المتهرئة أو قناني المشروبات الزجاجية وما في حكمها. نحن نتكلم أيضا عن اعاده تدوير المياه التي يكون البشر قد فرغوا من استخدامها وتحولوا بها من مياه (صالحة) أو مياه(نقية) أو مياه (مأمونة) إلى أن تصبح مياه (عادمة). (التغيرات السابقة مصطلحات فنية يستخدمها الاختصاصيون في هذا المجال). والانتصار للبيئة والحفاظ على مواردها القابلة للتصوب ومصادرها المعرضة للنفاد يوجب, بل يحتم اعادة تدوير هذه المياه العادمة بمعنى معالجتها كيميائيا والامعان في تصنيفها وتكريرها وتنقيتها إلى حيث يتم استخدامها من جديد وخاصة في أغراض الزراعة وفي العمليات الصناعية وما في حكمها. نحو سيارات أقل وبالنسبة للمقولة الثانية والثالثة: فإن الاقلال من قيادة واستخدام السيارة ليس معناه بداهة الاقلاع عن استخدام السيارة كوسيلة انتقال وحمل وشحن في المجتمع المعاصر.. هذه المقولة حمالة أوجه متعددة المراحل والمعاني والغايات.. أنها تعني مثلا التعود رغم صعوبته في ضوء تقاليد راسخة في مجتمعاتنا على اسلوب السيارة المشتركة أو التوصيلة الجماعية, كما قد نسميها (كاربول) كما يسمونها عند أصدقائنا الأمريكان أن مزيدا من الوعي الأيكولوجي كفيل بتعميق هذا الاتجاه الأرشد في التعامل مع السيارة كوسيلة نقل بين البيت ومراكز العمل.. أن اتفاق خمسة زملاء بشكل منظم وموضوعي على أن يستخدموا بالتبادل سيارة واحدة لهذا الغرض تنقلهم من نقطة أو نقاط تجمع في موقع الانطلاق وتصل بهم إلى موقع العمل.. أمر كفيل تلقائيا بتوفير جهد أربعة أفراد كل صباح وكل عصر أو مساء وتوفير مساحات أربع من عرض الطريق للسيارات الأربع القابعة في الكاراجات بغير استخدام ومن ثم تخفيف عوادم الانبعاثات بمعدل السيارات الأربع كل يوم, فما بالك لو اتسع استخدام هذه القاعدة البسيطة على مستوى المدينة أو المنطقة فضلا عن صيانة أكثر لقطع الغيار وتوفير أكثر في البترول المستخدم من حيث التكاليف ومن حيث مخلفات المحتوى الكربوني المنبعث في الأجواء يسمم منظومة الحيوان والنبات.. ناهيك عن تخفيف معدلات الضجيج الصوتي المنبعث من سيارة واحدة بدلا من أربع محسوبة كما قد تعرف بالديسبك (وحدة قياس الذبذبة الصوتية) وليس لنا أن نستهين بالعامل الأخير بعد أن ثبت مثلا أن ازدحام حركة المرور وما يتبع ذلك من شعور الاختناق وخاصة في مواسم القيظ الشديد.. وشعور الانحباس في صندوق مغلق مصنوع اسمه الاتوموبيل (كلاوستروفوبيا رهاب الاحتجاز في المكان المقفول) دع عنك ضغوط الضجيج الشارعي الذي ينحت في أوصال الجهاز العصبي للإنسان.. كل ذلك يصيب البشر ــ يشعرون وقد لا يشعرون ــ بارتفاعات ضغط الدم ومعدلات السكري وضيق التنفس وقد يصل, كما يشهد التحليل النفساني لحالات الحوادث المرتكبة على الطرق إلى آفاق السلوك العدواني البالغ الخطورة الإجرامي بل القاتل في بعض الاحيان. الكهرباء طاقة نظيفة من ناحية أخرى, فإذا كان مطلوبا من الأفراد أن يعملوا على تعديل أنماط سلوكهم, وأن يجتهدوا في عملية أقرب إلى الكفاح والنضال في الإطلالة على تقاليد مجتمعاتهم من خلال منظور جديد, (تأمل من جديد مثل السيارة التوصيلة الجماعية كاربول) فالمطلوب من أجهزة الحكم والإدارة أيضا أن تضع خططها العملية الرامية إلى التشجيع على استخدام وسائل الانتقال والمواصلات الجماعية.. على أن تكفل لها سبل الراحة من حيث الجلسة الصحية والتكييف أو تلطيف الجو وكفاءة التشغيل ودقة المواعيد وانضباط الإدارة على أن يتم هذا كله من منطلق الانحياز إلى مقتضيات البيئة ومتطلباتها. ليس المطلوب مثلا مزيدا من الباصات المكيفة التي تزيد البيئة كميات أكثر من أكاسيد الكربون السمية المحتوى بقدر ما أن المطلوب مزيد من الحافلات التي تعمل بالغاز الطبيعي الأقل خطورة من حيث الانبعاثات. والمزيد من قاطرات المترو التي تدار بالكهرباء بوصفها مصدرا نظيفا للطاقة. تكاليف إنشاء شبكة مترو سطحية أو جوفية قد تكون باهظة من حيث المبالغ المادية.. لكنها أرخص على التحقيق حتى من ناحية حسابات التكاليف إذا ما أدخلت الحسابات في اعتبارها.. حجم الاخطار والأمراض الناجمة عن تلوث البيئة وما قد تصاب به أجيال من بعد أجيال من أوبئة وتشوهات وخاصة في الجهاز التنفسي عند البشر.. مع ما يقضيه ذلك على مدار سنوات من تكاليف مضافة ومؤسسات مطلوبة للتطبيب والعلاج, ومع ما يرتبط بذلك في الوقت نفسه من تكاليف الفرص الضائعة كما يقول الاقتصاديون وهي المغانم التي كانت جديرة بأن تعود على الاقتصاد القومي لو لم تصب هذه القطاعات بأمراض تنال من عافيتها وتستبعد بعض أفرادها من سوق العمل ومجالات الابداع والإنتاج. مطلوب شراكات وتحالفات الأمر يومئذ بحاجة إلى اقامة شراكات وتحالفات تضم أطرافا شتى: الحكومات.. مؤسسات المجتمع المدني.. دوائر المال والأعمال التجارية دوائر الأكاديميا وجماعات النخبة والمثقفين والمبدعين.. وبفضل هذه التحالفات يمكن حشد وتجميع الجهود الرامية إلى التحول نحو سلوك الاستدامة بالمعنى الذي أوضحناه في سياق هذا الموضوع بجزئيه.. والهدف في هذا كله هو أن نحافظ على كوكب الأرض وموارده ومنظومات الحياة فوق ظهره.. وأن نحفظ التوازن المرهف الوثيق الخلق ونواميس الفطرة. ومرة أخرى.. فالمفتاح الذي يفضي إلى هذا كله هو إتاحة أكبر قدر ممكن من المعلومات التي لابد وأن تتحول إلى معارف.. ومن ثم تتحول إلى وعي نتسلح به على مستوى النخبة المثقفة ومنها إلى مستوى أوسع قواعد الجماهير, فهل نحن فاعلون؟