استراحة البيان ، كن شاعراً فارساً، يكتبها اليوم: سالم الزمر

في هذا الزمن الذي تتطاحن فيه القوى على المادة بكل صورها صغيرة كانت أم كبيرة, أفي هذا الزمن يفرغ اناس لتأمل واطالة فكر ونظر ومد بصر ومن ثم نظم كلام يسمونه بعد ذلك شعراً ثم ينشرونه على العامة ، والخاصة راجين أن يطيل الناس فيه النظر ويجدون فيه متعة تفوق متعة هذا العصر بمخترعاته ومبتكراته التي أخذت بالألباب وألهت النفوس عن كل تجربة شعورية مكتوبة أو مرسومة أو منقوشة, أفي هذا العصر الذي وطأ الإنسان فيه وجه القمر فأماط عنه غلالة الجمال تلك التي ألبسها إياه الشعراء على مر العصور ثم نثروا عليها عبارات غزلهم ووجدانهم استعارات وتشبيهات طباقا وجناسا ومحسنات فهم مرة يضفون على القمر صفات محبوباتهم وأخرى يضفون صفاته على تلك المحبوبات. أفي هذا العصر يبقى للشعراء بصورتهم القديمة مكان يزاحمون فيه أهل التجارة والمال الذي سيطر فكرهم ومبادئهم على لغة العصر اليومية. أقول نعم وان للشعراء مكانا واسعاً في هذا العصر ان لم يعطوه هم وجب أن يأخذوه أخذا ليس بالقوة ولكن بالتسلل الجميل الى نفوس البشر تسللا يشبه تسلل النعاس الى العيون في ليل السهر. ولكن من هم اولئك الشعراء الذين يمكنهم ان يتسللوا ذلك التسلل الجميل الى النفوس فيسكنونها كما تسكن الأحلام الخواطر؟ بالتأكيد انهم ليسوا اولئك المنتسبين للشعر بكتابات اشبه بهذر الكهان وأصوات المشعوذين أولئك الذين سلم لهم بأنهم شعراء جهل الناس وبعدهم عن اللغة الجميلة وانصرافهم عن الشعر بعد طغيان المادة. وانهم ليسوا أولئك الشعراء الراكبين موجات السياسات ودعاوى الاحزاب وعصبيات الفكر تلك التي تجعل شعرهم وان كان واضحا مفهوما الا انه كسابقه يغلب عليه الفكر وليس الشعر تلمس في قلبه حمى السياسات وحشرجات الحناجر المبحوحة من شدة الصراخ على منابر التخرب ومخاطبة غوغاء الجماهير لإثارة الحماس. وبالتأكيد كذلك أنهم ليسوا اولئك المتشبهين بالشعراء من الذين يفنون اعمارهم غزلا ووجدانا وهمسا ليلياً في أذان معشوقاتهم اولئك الذين يفنون حياتهم دورانا في ذواتهم وأحلامهم غير الواقعيين الهائمين في أودية ذواتهم ودهاليز انفسهم المفروشة بمترفات احلامهم التي تنصهر كانصهار الجليد إذا طلعت عليه الشمس. في ظني ان الشعراء الذين يمكنهم ان يعيدوا للشعر مكانة الصدارة في نفس الامة هم اولئك الشعراء الفرسان النبلاء الذين يجمعون أجمل ما في الحياة من فكر ودين مهذب للنفوس يضفي على النفس إشراقا وحبا للآخرين ودعوة بلا إجبار وتجديداً بلا تخريب, وحماسة بلا تدمير ووجدا وحبا بلا تهويم يذهب ويأخذ النفس الى عوالم بعيدة خيالية تلطمها بعد ذلك أكف الواقع. ان مثل اولئك الشعراء الفرسان هم الذين يستطيعون ان يعيدوا للشعر مجده وللكلمة الشاعرة رونقها, ولكن كيف يبعث اولئك الفرسان الشعراء فينا وفكرة الشاعر مرفوضة عند البعض لانهم خطأ يظنون ان الشعر حرام الا ما وافق دعوة أو تزهدا أو حكمة أو تبتلا وتركه حتى وإن وافق ذلك أولى واقرب للتقوى, وكأنهم لا يعلمون ان القائل: تأوبني ليل بيثرب أعسرُ لذكرى حبيب هيجت ثم عبرة سفوحا وأسباب البكاء التذكر والقائل: تبلت فوادك في المنام خريدة تسقي الضجيج ببارد بسام كالمسك تخلطه بماء سحابة أو عاتق كدم الذبيح مدام أقول كأنهم لا يعلمون أو لعلهم لا يعلمون ان قائل ذلك صحابي جليل هو حسان بن ثابت في الأولى يرثي قتلى معركة مؤتة وفي الثانية يفتخر بيوم بدر. وكذلك هي مرفوضة أي فكرة الشعراء الفرسان عند أهل التحزب والسياسة لأنهم لايرون في الشعر الا داعياً منتفخ الأوداج لدعاواهم السياسية. وهي مرفوضة عند أهل التجديد الحديث لأنهم لا يرون الشعر شعرا ولا يسمون الشاعر شاعرا الا اذا هذى من لا وعي وتفوه بما لا يليق بذات الخالق وهدم الثوابت بدعوى التجديد. لكننا في النهاية لا نرجو من الرافضين ان يسمحوا بظهور كوكبة شعراء مجددين بجمال وأصالة ووعي وفن وعفة وتمكن, ولكن كوكبة الفرسان الشعراء هذه يجب أن تقتحم على الناس عصرهم وتدهمهم في افكارهم وتأخذهم بقوة المحب الذي يخطف محبوبته على صهوات جياد الشعر ومن ثم سيكون للشعر مكانته التي ذهبت فلا مكان في هذا العصر لشعر ملأه التقليد الجامد أو التحديث العابث الحاقد ولا الرومانسية الهاربة الى احضان الطبيعة, لكن المكانة نرجو أن تكون لاجتماع أجمل ما في التقليد والتجديد والرومانسية في شعر جديد جميل أصيل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات