كولن باول ومستنقع أولبرايت في العراق، بقلم: عمران سلمان

في أول تصريحاته للصحفيين حول السياسة الخارجية الأمريكية, أوضح وزير الخارجية الجديد كولن باول ان قضية سلام الشرق الأوسط والعراق ستحتلان مقدمة اهتمامات ادارة الرئيس بوش. وفي هذه التصريحات ركز باول على مسألة واحدة فيما خص العراق وهي إزالة أسلحة الدمار الشامل التي يقال إن بغداد لا تزال تمتلكها, ويقال أيضاً إنها تهدد بها جيرانها وعلى الأخص إسرائيل! وهي خطوة تبين فيما يبدو ان الإدارة الجديدة تحاول النأي بنفسها عن الإرث المتقادم للإدارة السابقة (إدارة بيل كلينتون) الذي تراكم طوال السنوات الثماني الماضية في ملف العراق. ويبدو أن باول يريد معالجة الأمر بالرجوع الى الصفحة الأولى في الملف, منذ ان تركه عام 1991, حينما كان رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية التي حاربت العراق وأخرجته من الكويت. ومن الناحية النظرية تبدو مثل هذه العودة مغرية وممكنة, سيما وهي التي على أساسها بنيت قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالحصار والعقوبات على بغداد (خاصة قرار 687). وهناك من يذهب أبعد ليقول إن ضرب العراق وتدميره قد تما أساساً بناء على هذه المسألة, أي للجم النزوع العراقي نحو امتلاك السلاح النووي تحديداً والسلاحين الكيماوي والبيولوجي بشكل أقل. ومن شأن التركيز على هذا الملف أن يكسب تحركات باول اللاحقة بعض المصداقية, خاصة وهو يبعد هذه التحركات عن المستنقع الذي سقطت فيه الوزيرة السابقة مادلين أولبرايت, حين جعلت من تغيير النظام العراقي المهمة الأولى للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه بغداد. والحق أن أولبرايت لم تكتف بذلك, وانا سعت الى تحويل المواقف الأمريكية من العراق إلى ثوابت أيديولوجية. فأصبحت ردود فعل واشنطن على تصرفات العراق تميل نحو التشنج تارة, وتارة أخرى نحو الديماجوجية وروح الانتقام. ولوهلة بدا أن أولبرايت تعامل العراق كما كان يعامل نظراؤها السابقون الاتحاد السوفييتي السابق. ومن نافل القول إن هذا التعامل أوصل إدارة كلينتون إلى مأزق في التعاطي مع الأزمة العراقية, التي تحولت بدورها إلى طريق مسدود لا أحد يعرف بدايته من نهايته.. أهو رفع الحصار أم تخفيفه فقط... أم تغيير النظام... أم الإبقاء على الوضع الحالي أطول فترة ممكنة. باول كما يبدو يريد الخروج من هذا المأزق, ولأن مستنقع أولبرايت يحاصره من كل جانب, فهو لا يرى أمامه سوى خشبة وحيدة طافية في ملف العراق يتمسك بها, وهي خشبة أسلحة الدمار الشامل. ومن خبرته السابقة في حرب الخليج, وقرارات الأمم المتحدة, ثم وهو لابد قد تابع ما آل إليه وضع لجان التفتيش على أسلحة العراق, سواء من تحول منها الى أدوات للجاسوسية بصورة واضحة وصريحة, أو من تحول الى قاعدة للإضرار بالعراق وإيذائه تحت مختلف التسميات. فهو يعرف أن الشيء الحقيقي في موضوع العراق, والذي قد يكسب سياسته اللاحقة بعض التعاطف أو المصداقية هو موضوع التسلح, وتحديداً أسلحة الدمار الشامل. نقول إن هذا كله مغر وممكن من الناحية النظرية, أما من الناحية العملية فالمسائل تبدو مختلفة إلى حد كبير. فما بين عامي 1999 و2001, ليس ثمة عقد من الزمان فحسب, وانما أيضاً معطيات وأحداث ووقائع سياسية وعسكرية وإنسانية كثيرة. ومن ضمن ذلك عشرات آلاف الزيارات الميدانية التي قامت بها مئات من فرق التفتيش الدولية الى العراق, وما ضمته من خبراء في شتى مجالات الأسلحة ومن مختلف الجنسيات. وضمن ذلك تعاقب ثلاثة رؤساء على اللجنة الخاصة (الأونيسكوم), أحدهم مضى بهدوء (رالف ايكيوس) وآخر بفضائح مدوية (ريتشارد بتلر), بينما الثالث لا يزال ينتظر في نيويورك. بمعنى آخر انه منذ حرب الخليج الثانية وحتى اليوم هناك تاريخ قد تشكل, جانب كبير منه خط بصواريخ الولايات المتحدة ودماء العراقيين ودموعهم وآلامهم ودعواتهم لرفع الحصار, والجانب الآخر, ملأه السياسيون والمحللون بتصريحاتهم وصراخهم ودراساتهم. فهل بوسع كولن باول ان يلغي هذا التاريخ, ليعود من جديد الى الصفحة الأولى التي تركها حينما كان لا يزال في بزته العسكرية؟ وهل يمكن الحديث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق بعد كل ما جرى, من دون المغامرة بالوقوع في خانة الاستخفاف والاستهانة بذكاء المفتشين الدوليين ومن ورائهم, طوال هذه السنوات, وهم الذين أعلنوا أكثر من مرة أن العراق بات خالياً من الصواريخ البالستية والأسلحة النووية وكذلك البيولوجية والكيماوية, وما تبقى هو مجرد قدرات عراقية نظرية وخبرات عملية في مجال هذه الأسلحة؟ ثم ألا يوجد طريق ثالث تسلكه الإدارة الأمريكية, بين مستنقع أولبرايت, وبين العودة إلى حالة الصفر؟ أعتقد أنه فيما يخص الأسلحة, فإن بغداد قد أكملت استيفاء الشروط الواردة في القرارات الدولية بهذا الشأن, ولا أدل من ذلك أن واشنطن نفسها لم تعلن عن وجود خروقات عراقية, منذ انسحاب المفتشين من بغداد في ديسمبر عام 1998 قبيل بدء عملية ثعلب الصحراء. وقد يصح القول إن الإدارة الأمريكية قد استعاضت عن عمل المفتشين الدوليين, بمراقبة الطائرات الأمريكية والبريطانية التي تطير حتى اليوم دون مسوغ قانوني أو مبرر شرعي, فوق منطقتي الحظر في شمال وجنوب العراق, فضلاً عن أقمار التجسس الأمريكية المصوّبة نحو هذا البلد. ويبدو أن الجدل الدائر اليوم ليس حول ما إذا كانت بغداد لا تزال تملك أسلحة محظورة أم لا, بقدر ما هو حول الرقابة الدائمة على برامج العراق التسلحية. أي مراقبة نشاطات العراق مستقبلاً وضمان عدم امتلاكه لهذه الأسلحة في أي وقت, وهذه تقتضي عودة المفتشين ونصب الكاميرات ووضع برامج التحقق الميدانية وضمان عملها دون أية مشاكل. بيد ان بغداد لا يبدو أنها سوف تقبل مثل هذا الأمر بدون مقابل, وهو في هذه الحالة ليس سوى الرفع الشامل للحصار وإلغاء نظام العقوبات. ومن هذا يمكن أن نفهم تصريحات وزير الخارجية الأمريكية كولن باول حول التسلح العراقي, على نحو مختلف. فربما أراد الرجل أن يقول بأن حل الأزمة العراقية يبدأ من ملف السلاح, وليس من أي شيء آخر, طالما أن الأزمة نفسها بدأت منه. ما يعني أن إعادة الأمور الى نصابها, تبدأ من اجراء جردة حساب لما أنجز في الماضي على هذا الصعيد, والاعتراف لبغداد بما حققته, وما يتوجب تحقيقه, كي يتسنى بعد ذلك البحث عن حلول عملية ومقبولة للعراقيين. وهذا ربما يفسر مسارعة الإدارة الأمريكية الجديدة الى توضيح منح واشنطن جماعات المعارضة العراقية مبلغ 4 ملايين دولار, بأنها خطوة مقررة من الإدارة السابقة (إدارة كلينتون), وهي لا تعني وجود سياسة أمريكية جديدة تجاه العراق. بل ان باول نفسه رفض تحديد موعد للقاء وفد المؤتمر العراقي (المعارض) الذي تراكض الى واشنطن بمجرد ان بدأت الادارة الأمريكية الجديدة فتح ملفات السياسة الخارجية. على أية حال ليس أمام واشنطن الكثير لحل المأزق العراقي, فإدارة كلينتون ومهارات أولبرايت لم تتركا شيئاً لم يجرب, من العزل.. الى الحصار.. الى القصف, لم تتركا شيئاً سوى رفع الحصار, هذا ما سيكون.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات