ثلاثية عربية، بقلم: أحمد عمرابي

هي بدهية واضحة وفي متناول اليد.. ومع ذلك فإن حظها هو التجاهل التام. والبدهية يلخصها هذا السؤال: لماذا لا تتجمع الأطراف العربية الثلاثة التي تتقاسم المواجهة مع إسرائيل تحت راية تحالف استراتيجي؟ وإذا كان هذا السؤال ظل ملحاً بطول التقادم الزمني للصراع العربي الإسرائيلي على مدى أكثر من نصف قرن, فإنه اليوم بعد صعود الجنرال الإسرائيلي ارييل شارون إلى السلطة وهو ممسك بأجندة حرب يزداد إلحاحاً أكثر من أي وقت مضى. باكتساح شارون الانتخابات الإسرائيلية تحت شعار (الحقوق القومية للشعب اليهودي), فإن الشعب الفلسطيني موعود بنقلة نوعية في الحرب الإسرائيلية ضد الانتفاضة.. وفي الوقت نفسه فإن سوريا ولبنان موعودتان أيضاً بهجمات عسكرية ذات اتساع وعمق في آن معاً. وإذا كان هذا الخطر الثلاثي المرتقب كافياً في حد ذاته لحفز هذه الأطراف العربية الثلاثة إلى توحيد إرادتها وقيادتها ومواردها في جبهة موحدة, فإن هناك عاملاً إضافياً أشد تحفيزاً من الناحية العملية. وهو عامل يتعلق بالوضع الإسرائيلي أكثر من تعلقه بالوضع العربي. إن أجندة شارون الحربية تبقى رغم تشددها وتطرفها العدواني محصورة في خط استراتيجي تقليدي درجت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة, على اختلاف هوياتها السياسية ورؤاها نحو التعامل مع الأطراف العربية بالمقياس النسبي, على اعتماده أساساً لخططها وبرامجها. هذا الخط الاستراتيجي الإسرائيلي هو عبارة عن فرضية نظرية مستقاة من الواقع العربي تقول بأن الأطراف العربية التي تتعامل مع إسرائيل في شئون الحرب والسلام مشتتة وتعتمد النهج الانفرادي. وبناء على هذه الفرضية فإن إسرائيل لا تتعامل مع هذه الأطراف إلا على أساس هذا النهج. وهكذا تستفرد إسرائيل بكل طرف على حدة مع أن الأطراف الثلاثة تجمع ما بينها قضية واحدة هي تحرير أراضٍ من الاحتلال الاسرائيلي. وبالطبع فإن الحكومات الإسرائيلية ظلت تستغل في هذا الاتجاه التناقضات الثانوية غير الموضوعية بين قادة هذه الأطراف العربية وتأجيج هذه التناقضات بما يؤدي إلى توسيع الشقة والخصام التنافسي بين قادة وزعامات هذه الأطراف. والبدهية في هذه الحالة تقول بأنه مجرد أن تتجمع هذه الأطراف العربية داخل جبهة موحدة تجاه إسرائيل فإنها تنجح تلقائياً في نسف الفرضية الاستراتيجية التقليدية التي تعتمدها الحكومات الإسرائيلية بما في ذلك حكومة شارون التي تولت السلطة الآن. إن الأجندة التي أعلنها الجنرال شارون والتي على أساسها اكتسح الانتخابات الإسرائيلية هي في الحقيقة إعلان حرب بصورة غير مباشرة على الأطراف العربية الثلاثة. فبنود الأجندة المتعلقة بالقضية الفلسطينية بانطوائها على فرض استسلام كامل على الشعب الفلسطيني لقبول التصور الإسرائيلي للدولة الفلسطينية تنبىء عن عزم إسرائيلي باستخدام القوة الصارمة كأسلوب حتمي ضد الفلسطينيين وانتفاضتهم. وتتضمن الأجندة أيضاً بنداً يقول صراحة بضم مرتفعات الجولان السورية إلى إسرائيل مما لا يترك خياراً أمام السوريين سوى الحرب... إذا استبعدنا احتمال الاستسلام السوري للأمر الواقع الإسرائيلي مستقبلاً. وما ينطبق على سوريا إسرائيلياً ينسحب على لبنان بالنظر إلى عزم (حزب الله) اللبناني المعلن على تحرير أرض (شبعا) اللبنانية. إننا بإيجاز أمام مشهد تحسب معطياته بحسابات الحياة أو الموت.. البقاء أو اللابقاء بالنسبة إلى الأطراف العربية المذكورة. ومنطق البدهيات يتطلب من هذه الأطراف أن تجمع صفوفها وتوحد إراداتها لكي تحرم إسرائيل من سلاح الانتقائية وحرية الحركة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات