هل تعرفون الدكتور كمال الصنهاجي؟ لا بالطبع لأنه كذلك لا أحد كان يعرف منذ خمسة أعوام الدكتور أحمد زويل الحاصل بعد ذلك على جائزة نوبل. فنحن العرب والمسلمين مصابون منذ زمن الاستعمار، بعقدة استنقاص الذات, ونعتقد عن خطأ بأن الحضارة العالمية هي حضارة غيرنا حتى لو أجزمنا اننا ساهمنا في ماضيها. فنحن طرفٌ في الحضارة وطرفٌ في العولمة الى اليوم, ولا يزال علماؤنا العاملون خارج حدودنا يتفوقون وينجحون. لكن في مختبرات أوروبا وأمريكا واليابان. وأذكر أنني في عام 1996 عندما نجحت وكالة الفضاء الأمريكية في ارسال سيارة (باثفايندر) الى سطح المريخ, كتبتُ مقالاً عن رئيس قسم الرياضيات الفضائية في ذلك المشروع وهو الذي بفضله تحركت تلك السيارة في تضاريس المريخ... واسمه محمد شيخ ديارا, شاب مسلم من جمهورية مالي الأفريقية, تفوق في الرياضيات واحتضنته الجامعة الفرنسية في باريس ثم (اختطفته) وكالة الفضاء الأمريكية ليعمل فيها ـ بالطبع اختطاف الإغراء والجاذبية ــ وهو لا يزال على رأس عمله. ولم يبلغني أن دولة مسلمة دعته أو كرمته من باب أضعف الإيمان. ونعود الى الدكتور كمال الصنهاجي, وهو طبيب مغاربي يعمل في مختبرات (لويس ماريوت) بمدين ليون الفرنسية وبمشاركة أستاذ في الطب فرنسي هو د. جون لويس توران. وتوصل كمال الى اكتشاف طريقة للحد من استشراء فيروس الإيدز في الجسم بوضع خلية تُشكل حداً فاصلاً بين الفيروس وبقية الخلايا وتمت التجربة على الفئران وسلطت معاهد البحوث الطبية ووسائل الإعلام الفرنسية والأوروبية الأضواء على هذا الاكتشاف المبشر بإمكانية مقاومة وباء الإيدز. وقد أسعدني ان اتصلت بكمال الصنهاجي احدى الفضائيات العربية (الجزيرة) وتحدث هو بلسان عربي فصيح عن اكتشافه وقد أثبت عفوياًَ بأن اللغة العربية يمكن أن تعود لسالف إشراقها كلغة علم... وأعظم من ذلك بأن العرب قوم علم يمكن ان يستعيدوا بناء الجسور المنهارة بينهم وبين حضارة العلم. تكلم كمال للفضائية عن اكتشافه بتحفظ العلماء الذي هو تواضعهم, لكنه كان مصدر إكبار الذين شاهدوه, فقد رفع رؤوسنا نحن العرب, ولكنه تحديداً قدم لنا ــ نحن العرب الذين نعيش في فرنسا ــ خدمة جليلة حتى يخفف المجتمع الفرنسي بعضاً من ممارساته العنصرية ضد شبابنا العربي, فيتعلم ذلك المجتمع قيم التسامح والاعتراف بفضل العلماء العرب في رفع راية فرنسا وأوروبا في مجالات الطب وغيرها. ولعلّه من المفارقات أن نتجاهل نحن العرب عبقرياتنا ــ الراهنة والماضية ــ وأن يعترف لنا بها الغرب وينكب علماؤهم عليها بالبحث والدرس والإكبار. مثل هذا وقع حين كتب المتخصص العلمي في جريدة (لوفيجارو) الفرنسية الكبرى السيد ألبار ديكروك بحثاً مطولاً بعنوان (الرياضيات الاغريقية كما أحياها العرب) وينتهي فيه الى خلاصة طريفة وهي انه لولا موازنات (الالجرتم) لما توصل الانسان الى اكتشاف الكمبيوتر. ويفسر السيد ديكروك لقرائه أصل كلمة (الالجرتم) فيقول للذين لا يعلمون وهم كثر ان عبارة (الالجرتم) ما هي إلا تحريف لاسم العالم الخوارزمي الذي كان أول من وضع استنتاج المجموعات الجبرية وأول من قنن علم الجبر بانتهاج طريقة التجديد واستخراج الأصول الجبرية من رقم صفر الى اللانهاية. ويقول الباحث الفرنسي إن هذه النظرية هي التي أخذها العالم الرياضي فيبوناتشي الايطالي وطورها عندما رحل مع والده الى مدينة عنابة الجزائرية سنة 1200م حيث تضلع في علم الجبر وعلم الرياضيات الفضائية. وبالطبع فقد كاد الباحث المنصف يقول إن الخوارزمي هو الأب الأول للكمبيوتر... ثم انقطع الأصل لكي تقوم الفروع الأوروبية منذ عصر النهضة بمسئولية تطوير العلوم. ونلاحظ اليوم ان علماءنا العرب العاملين في دول الغرب أخذوا يحتلون مواقعهم هناك في بيئة توفر لهم الحرية والكرامة والأمن وأدوات البحث, في حين ظللنا في العالم العربي نتخبط في قضايا معيقة للحريات أي طاردة للكفاءات وقاتلة للمواهب... وتلك آفة الآفات.