كنت لازلت استمتع بصباح سماوي الملامح, قبل ان ينقذف ذلك الخبر المجنون في مسمعي حول الدم الملوث الذي قالت صحيفة (ذي جارديان) البريطانية منذ يومين ان بريطانيا قد باعته الى 11 دولة مختلفة ما بين عامي 1996 و 2000! ومازال امام ناظري مشهد الطبيعة الممعنة في هدوئها وسحرها بذلك الازرق المترامي من حدود النظر حتى تخوم الافق, والنهار المضيء مغتسلا بالبراءة والنور, وبضع اناس يتنقلون ما بين تفاصيل المكان بكثير من الدهشة وشيء من الحذر وكأنهم لا يريدون ان يخدشوا الصمت بأصواتهم وحركاتهم, وهناك حيث يمتد نظري يحط عصفوران بهدوء يقتاتان الدفء من لون البحر, وينتظران فتات السكر بثقة وطمأنينة من ايادي الجالسين في المكان. وتابعت عيناي رحلة العصفورين, تشاكسا طويلا حتى استقرا بالقرب من طاولتي, وصارا وكأنهما بانتظار شيء ما, قذفت لهما افطارهما فقفزا اليه بنزق يدعو الى الابتسام والسعادة, أمعنا في انتظار المزيد, وامعنت في الاستمتاع بنزقهما اللذيذ, وشعرت كأنني انظر الى عاشقين احدهما اكثر جرأة من الاخر, فتذكرت قولا قرأته ذات مساء: (اسألوا معي هذا القلب كيف تحمل ضجيج ذلك العاشق الجسور)! وبقيت زمنا مع العصفورين, لا اريدهما ان يغادرا المكان ابدا وكأنهما هما اللذان يطعمانني لا انا الذي اطعمهما, لقد كنت بحاجة الى وقع زقزقتهما في داخلي, الى ارتشاف الوان الاجنحة الرائقة, والعينين الصافيتين, والنزق الطفولي الجسور.. كنت بحاجة اليهما, اكثر من حاجتهما الى فتات الطعام. وبالامس تابعت هطول الثلج على مدينة موسكو حتى بلغت درجة حرارة البلاد 50 درجة تحت الصفر, ما استدعى اجتماعا رئاسيا طارئا لمواجهة ازمة شتائية لا مثيل لها, وبموازاة جليد موسكو الاستثنائي اجدني لا احتمل درجة حرارة تتوقف عند حدود 15 درجة فوق الصفر, لكنني مازلت احتفظ بذاكرة العصافير فصرت اسأل بحرارة: كيف حال العصافير وشتاء موسكو قاتل الى هذه الدرجة. جاءت الصور من هناك حاملة واحدة منها تظهر مجموعة عصافير تدفئ نفسها على احدى مداخن التدفئة في العاصمة الروسية تأملتها جيدا وكأنني موقنة ان اثنين منهما كنت قد اطعمتهما البارحة بيدي في مكان هادئ وصباح رائق امام الازرق المترامي في بقعة حلوة من مدينتي التي اعشقها!! هكذا فكرت حتى اكملت الخبر فعرفت ان شتاء موسكو وارتجاف البشر والعصافير قد جعل (بوتين) الرئيس الروسي يقبل استقالة وزير الطاقة بعد فشله في حل ازمة التدفئة هناك! مسكينة العصافير فبقدر ما هي جميلة وهادئة, بقدر ما تكون احتياجاتها ملحة كاحتياجات البشر, لكن الوزراء يستقيلون ويقاضون لاجل البشر وليس لاجل العصافير بينما تكون الحياة اجمل احيانا بسبب وجودهم واصواتهم ونزقهم اللذيذ.