استراحة البيان: سعاد الصباح.. والبساطة المستحيلة ، يكتبها اليوم: جمال الغيطاني

سعاد محمد الصباح الشاعرة الإنسانة متى رأيتها أول مرة؟ متى بالتحديد؟ لا يمكننى القطع أو الحسم, لكننى بالتأكيد رأيتها لأول مرة فى أمسية شعرية, تلقي أشعارها وأصغي اليها, تقف فوق منصة معرض القاهرة الدولى ذات أمسية من يناير الذى يبدأ فيه معرض القاهرة الدولى للكتاب, أى سنة؟ أى يوم بالتحديد؟ أصبح ذلك كله مدغما, مندمجا جزءا من ذاكرتى. هاهى تقف أمام جمهور المستمعين, صوتها من الأصوات النادرة التى يمكننى استعادتها, فأول مايبيد من الذاكرة الأصوات, صعب جدا استرجاع النبرات. لكننى أتمثلها بوقفتها أمام مكبر الصوت. مرتدية ثيابا بسيطة, تنشد شعرها بإلقاء متميز, فريد. من القاهرة, الى بغداد, خلال مهرجانات المرد التى اقيمت زمن الحرب العراقية الايرانية والتى توقفت عام ثمانية وثمانين. الى تلك الأعوام تنثنى ذاكرتى لاستعادة وقفتها, طريقة القائها, تأملى حضورها من مقاعد المستمعين, ان فى القاهرة أو بغداد العاصمتين العربيتين اللتين أتيحا لي أن أصغي فيهما إلى أشعارها أكتب إليك هذه الرسالة ولا أنتظر جوابا عليها. جوابك لا يهم كثيرا المهم, وهو ماأكتبه أنا.. ان الكتابة عندى هي حوار أقيمه مع نفسى قبل أن أقيمه معك فأنا استطيع أن استحضرك دون أن تكون حاضرا واستطيع أن أتلمسك دون أن تكون الى جانبى تلك السيدة, الجميلة, ذات الملامح الحربية الصميمة, الثرية, تقف لتلقي أشعارها المعبرة عن أدق خلجات المرأة, عن ثورة مكنونة, عارمة, تبدو وكأنها مهرة جميلة, مواصلة, تستعصي وتنفرد بعيدا, منفردة, صوتها الصادق, كان يدفع عنها تحفظات عديدة, تلك التساؤلات التى يثيرها عند القوم الثراء, فما الحال اذا كان هذا الثراء كبيرا, غير أن هذه السيدة الكويتية لم تكن ذات صوت عميق, صاف, وأداء صادق فقط, انما كانت تقدم نموذجا جديدا على تعامل الثراء مع الواقع الثقافى لم نعرف له مثيلا منذ أن تبرعت الأميرة فاطمة سليلة العائلة المصرية المالكة, فى بداية القرن الماضى لبناء وتأسيس جامعة القاهرة التى قامت فى البداية على أموال الاثرياء من أهل مصر, وأموال الأميرة فاطمة بالذات, فى هذه المرة تجىء الأميرة من الصحراء, من الخليج, من الكويت, لتعبر أولا عن ثورة المرأة المضمومة بشعرها ومواقفها. قد كان بوسعي أن ابتلع الدمع وأن ابتلع الدمع وأن أتأقلم مثل جميع المستجدات قد كان بوسعي أن أتجنب اسئلة التاريخ وأهرب من تعذيب الذات وقد كان بوسعي أن أتجنب كل المحزونين وصرخة كل المسحوقين وثورة آلاف الأموات لكننى خنت قوانين الأنثى واخترت مواجهة الكلمات ليس أصدق من هذه الأبيات التى تعبر عن موقفها البسيط, العميق, هذه البساطة فى مظهرها وشخصها التى تجعل من يراها أو يتحدث اليها أو يواجهها, لا يصدق. وأتصور أن هذه احدى النقاط التى شكلت حاجزا بينها وبين من لا يعرفها جيدا, وأورثتها تلك الطلة الحزينة, الأسيانة فى عينيها, البساطة الى حد لا يصدق. كأن الناظر اليها يقول لنفسه كيف تبدو بهذه البساطة وهى القوية جدا, الجميلة التى لا ينقصها شئ مما يتصور الناس! بساطة عرفتها على أكثر من مستوى, عندما كنت أصغي اليها من مقاعد الجمهور وعندما جلست اليها عن قرب, بدءا من عام اثنين وتسعين من القرن الماضى عندما أسست دار سعاد الصباح فى القاهرة للنشر, وشاركت فى نشاطها كمسئول عن نشر التراث القديم وللأسف حالت عثرات دون اكتمال هذه المؤسسة الثقافية الفريدة, ولا أريد الخوض فى هذه النقطة لما تثيره من آلام عندى قبلها, ولكننى أتصور أن بساطتها أحلت عليها سلوكا محوره الثقة بالآخرين, وأحيانا تمنح الثقة نتيجة حسن النية لمن لا يستحق! عندما كنت أراها فى الأمسيات الشعرية خلال الثمانينيات, كنت أصافحها بعد الانتهاء من القائها الشعر, فتسألنى عن أحوال زوجتى بحميمة, كانت قد أجرت معها حوارا فى بداية الثمانينيات نشر فى مجلة صباح الخير. الى أن رأيت الشاعرة سعاد الصباح عن قرب, عندما أسست دار النشر فى القاهرة, كانت الدار امتدادا لاهتمام أصيل عندها بالثقافة, والذى اتخذ أشكالا عديدة, منها تخصيص جوائزها الشهيرة لتشجيع شباب المبدعين الباحثين, وكان تقليدا جميلا كل عام أن يتم توزيعها فى حفل يقام بمعرض القاهرة الدولى للكتاب, وقبل تأسيس هذه الجوائز التى تحمل اسم زوجها الراحل المغفور له الشيخ عبدالله مبارك الصباح, كانت قد أصدرت مجلة الرسالة الشهيرة التى أصدرها أحمد حسن الزيات عام ثلاثة وثلاثين فى القرن الماضى. ولعبت دورا مهما فى الحياة الثقافية العربية وليس فى مصر فقط. ثم توقفت عام ثلاثة وخمسين, ويعد اصدارها فى طبعة ثانية مكتملة (تتكون من أربعة وأربعين مجلدا) بمثابة احياء لهذه المجلة المهمة, ولولا هذه الطبعة الكاملة لما أطلعت عليها الا فى المكتبات العامة ولما استطعت الاحتفاظ فى مكتبتى الخاصة بنسخة كاملة منها. لولا قيام الشاعرة سعاد الصباح بتمويل اعادة اصدارها لأصبحت المجلة من الآثار التى يصعب رؤيتها, ويعد هذا العمل رائدا بكل المقاييس, ولم تقم المؤسسات الثقافية الرسمية بمثل هذه الخطوة الا فى السنوات التى تلت ذلك, كان اصدار (الرسالة) للمرة الثانية خطوة مهمة فى الحفاظ على الذاكرة الثقافية العربية. لم يكن الثراء الوفير الا وسيلة لتحقيق أهداف جليلة ربما حالت فى ذهنها يوما كأحلام, ان تنشر الثقافة وتشجع العلم والعلماء, وان تدعم قضايا الحرية خاصة مايتعلق بحقوق الإنسان, ولا أذيع سرا انها دعمت نشاط المنظمة العربية لحقوق الإنسان ماديا ومعنويا, واشترت مقرا فسيحا لها فى القاهرة وكفلت لها بدعمها المستمر حرية تامة, ونزاهة يشيد بها الكافة, وتعد تقاريرها من أعمق وأصدق مايصدر عن أحوال حقوق الانسان فى العالم العربى. خلال اجتماعات مجلس امناء دار سعاد الصباح للنشر اتيح لى أن أراها عن قرب, وأن اتأكد من تلك السمة التى شعرت بها من قبل وأنا أصغي الى أدائها لأشعارها عن بعد, انها البساطة. حضورها البسيط, الهادئ يفرض على الإنسان احساسا بالاحترام, ويمده بشعور الألفة, يبدو جمالها العربى الصميم مجردا من أى مساحيق مساعدة, لا أثر فى وجهها للظلال, وللألوان التى تتبدل فى وجوه الآخريات طبقا لساعات النهار فقط الكحل الأسود الذى اشتهر به العرب, والذى رأيت فى طفولتى نساء الصعيد المصري الذى ولدت فيه يضعنه بعناية وحذق فى عيونهن, ربما كان من عوامل الألفة بالنسبة لى أن ملامح الشاعرة سعاد الصباح تبدو مألوفة لى, وكأنها حفرت فى ذاكرتى من قبل, ربما لأنها ذات وشائج صلة وثيقة بملامح قريباتى وأهلى المتحدرات من سلالة قبيلة عربية صميمة أنتمي اليها, (جهينة). التقيت بها فى القاهرة العام الماضى, جاءت بعد انقطاع عدة سنوات. جاءت لتشارك فى حفل رعته ودعمته لتكريم الدكتور ثروت عكاشة, وهذا تقليد أرسته, أن تكرم أولئك الذين أعطوا الثقافة العربية من جهودهم المخلصة. فى تلك الأمسية قالت ان الأطباء نصحوها بألا تسافر لمرضها, لكنها جاءت رغم أوامرهم لتساهم فى تكريم الدكتور ثروت عكاشة, وأنها لا يمكن أن تنقطع عن مصر التى أودعت ثراها ابنها البكر المرحوم مبارك. لم تطل اقامتها الا ساعات بعد حضور الحفل الذى كان على أرفع مستوى, غادرت لتتلقى العلاج, ولكم أتمنى لهذه السيدة الرائعة تمام الشفاء, لكى يصدح صوتها من جديد شعرا جميلا, صادقا, ثائرا, ولكى تتصل جهودها لخدمة الثقافة العربية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات