حرب فكرية، بقلم: أحمد عمرابي

قبل نحو ست سنوات نشرت طبيبة بنجلاديشية مقالة في صحيفة هندية عن أوضاع المرأة في بلادها دعت فيها ــ والعياذ بالله ــ إلى اجراء تعديلات على نصوص قرآنية معينة. ورغم أن المفترض ان د. تسليمة نسرين مسلمة, وبالتالي من المفترض أن تدرك أن مطالبة مسلم راشد وبالغ ومكلّف بتحريف كلام الله تعالى إثم في مستوى الكفر فإنها تجرأت إلى أقصى حد عندما دعت إلى تغيير في الآيات الخاصة بالميراث باسم ما رأته (مساواة) للمرأة مع الرجل. ولا أريد هنا أن أسوق حججاً للرد على هذه السيدة. هذا ليس الغرض من هذه المقالة. الغرض هو تساؤل: هل تصرّف هذه الطبية البنجلاديشية فردي وشخصي أم أنه مجرد واجهة؟ والتساؤل ليس بغير باعث. فبعد الغليان الشعبي الذي جرى في الشارع البنجلاديشي آنذاك ومطالبة الجماهير بقتل السيدة تسليمة, اختفت الطبيبة عن الأنظار. وبعد بضعة أسابيع فاجأت الجميع بظهورها في السويد! ومنذ ذلك الحين والسيدة تسليمة متفرغة لإلقاء محاضرات والمشاركة في ندوات ومقابلات إعلامية محورها الرئيسي غمز ولمز في الأحكام والقيم الإسلامية بشأن المرأة. غير أن الأهم أن هذه السيدة المفترض أنها مسلمة ظلت تتمتع برعاية إحدى الجامعات السويدية مما يطلق عليها (المنظمات غير الحكومية) حتى قبل فرارها من وطنها. بل وهذه الجماعة هي التي رتبت أصلاً إنقاذ الطبيبة البنجلاديشية وتهريبها عبر الحدود. هذه الصورة عادت إلى ذهني وأنا أطالع قبل بضعة أيام في الأخبار خبراً عن فوران في الشارع البنجلاديشي بسبب قرار صدر عن المحكمة العليا يقضي بعدم إقامة حد الزنا على النساء... كما يقضي بإلغاء الفتاوى الإسلامية التي تمتنع الاختلاط بين الرجال والنساء. لكن القصة لا تقف عند هذا الحد. فالذي جرى هو أن الجماهير المسلمة الغاضبة التي خرجت إلى الشارع لتعبر عن استنكارها لقرار المحكمة وُوجهت بمظاهرة مضادة من ترتيب هيئة بنجلاديشية اسمها (رابطة وكالات التنمية). وهذا الاسم البرّاق وراء مجموعة من منظمات (غير حكومية) هي في الحقيقة فروع محلية لمنظمات أوروربية وأمريكية هي التي تتولى تمويل الفروع البنجلاديشية. إننا إزاء ظاهرة خطيرة لا تقتصر على بنجلاديش وانما تنتشر في الكثير من بلدان العالم الإسلامية. وهي ظاهرة تتعلق بحرب ضد الإسلام والمجتمعات الإسلامية بأساليب مباشرة وغير مباشرة حسب مقتضى الحال. وما يطلق عليه فروع المنظمات غير الحكومية يمثل رأس الحربة في هذه الحرب. مثل (وكالات التنمية) في بنجلاديش تتخذ هذه الفروع أسماء تضليلية أغلبها يرتبط بشئون (الأسرة) و(الانماء الاجتماعي)... بل وأحياناً بمسألة (حقوق الإنسان)... ومع تشابه الأسماء بهذا الأسلوب التضليلي فإن الخط الاستراتيجي موحد... وهو في صورته العامة اتخاد هيئة (الاصلاح الاجتماعي). وعلى هذا النحو يركز الخط الاستراتيجي على النساء وقضايا المساواة بين الرجل والمرأة وتنظيم الأسرة وعلاقة أعضاء الأسرة ببعضهم البعض كمدخل للطعن في القيم الأخلاقية السلوكية كما يطرحها الإسلام. ومن أجل هذه الغاية توظف شخصيات اجتماعية لامعة وشهيرة كأساتذة الجامعات المعروفين والكتّاب المرموقين وكبار نجوم الفن. ونلاحظ أنه تتنامى في بعض الفضائيات العربية ظاهرة ندوات يشارك فيها مثل هؤلاء مع جمهور (جاهز) للتصفيق تطرح فيها آراء وتوجهات فكرية تتصادم رأسياً مع قيم القرآن الكريم والسنة. ومن الواضح أن الهدف هو خلق قناعات جديدة لدى الجمهور المسلم تتعارض مع عقيدتهم وأحكامها... أو على الأقل تشككهم في تلك الأحكام. إن هذه حرب فكرية يجب أن تُجابه بحرب فكرية مضادة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات