لم يشهد العالم مسرحية بما تتضمنه من فصول درامية, تشبه مسرحية طائرة بان أمريكان, التي استضافت قرية لوكيربي مكرهة في عام ,1988 لكن الغريب بالأمر أنه لم يهدأ الروع برهة, حتى أصبحت مشجباً للتهم الجوالة بين المدن والعواصم العربية والإسلامية. لكن أياً تكون القضية فقد حطت رحالها بكل خلفياتها السياسية في آخر المطاف على طرابلس الغرب, لتجلب الويلات على أبنائها الذين لا حول لهم ولا قوة سوى صدورهم العارية وبعض الصيحات المحتجة والبيانات الإعلامية التي صدرت من هذه العاصمة العربية أو تلك. لتضع الشعب الليبي بين فكي الحصار الظالم الذي لا يرحم حتى الرضع, وليدخل الشعب بأكمله في دوامة الاتهام بكل فصوله المأساوية, دون الاكتراث, أو التوقف ولو لبرهة أمام بند أو حتى كلمة مما قيل في شرعة حقوق الإنسان. وبعيداً عن التذكير بالويلات والآلام الذي جرها الحصار الظالم على الشعب الليبي, فها نحن بعد رهط من الزمن نشهد تبرئة المتهم الأمين خليفة فحيمة, وإدانة عبد الباسط المقراحي ليس لسبب يذكر بل لأنه وحسب اعتقاد لندن وواشنطن بأنه يعمل في جهاز الأمن الليبي, وكأن العمل في إحدى المؤسسات الوطنية لهذه الدولة, أو تلك, حسب وجهة نظرهما, أصبح تهمة يحاسب عليها قانون الأقوياء دون غيرهم. ورغم تناثر وجهات النظر والتكهنات التي عبر عنها في وسائل الإعلام, من العديد من المتخصصين بالقانون الدولي والقوانين الجزائية, إلا أن أحداً لم يستطع التكهن بوضع حد أو شبه حل لنهاية اللعبة التي بدأت منذ ما يزيد على عشر سنوات, عندما وجهت بريطانيا والولايات المتحدة التهمة للمواطنين الليبيين الفحيمة والمقراحي, باقتراف هذه العملية الإرهابية. فقد رأى البعض أن المعركة بين الشعب الليبي والمحكمة الاسكتلندية قد انتهى بها المطاف إلى منتصف الطريق, لتبدأ معركة الاستئناف كمحطة عليا, علها تبرئ المقراحي, طالما افتقدت الأولى إلى الدلائل والقرائن والبراهين, وتفتقد إلى الشهود, وأن التهمة لم تثبت عليه ولديه درجة متقدمة جداً للتقاضي أمام محكمة الاستئناف, خاصة وأن الطعن سيسمح لهذه المحكمة إدراج حيثيات القضية من بدايتها ومن ثم ستكون الآمال كبيرة لتبرئته. وأن القضية برمتها بعد ذلك ستسقط من على كاهل ليبيا حكومة وشعباً, باعتبارها محاكمة لأشخاص وليست لدولة, وأنها لن تتحول لليبيا مرة أخرى لتصبح كرة من الثلج كلما تدحرجت كلما كبرت وتعاظمت شراً على هذا البلد الذي خسر جراء حصاره ما يعادل ثلاثون ملياراً من الدولارات, بالإضافة إلى الانعكاسات الخطيرة التي طالت بناه التحتية وبرامج التنمية المزمع استكمالها منذ عقد من الزمن. وانطلاقاً من هذه القناعة جاء الموقف الليبي الواضح والعلني في احترام حكم المحكمة, لتبقي على الأبواب مفتوحة لجولة الاستئناف أمام مواطنها الذي حكم عليه بالسجن المؤبد, أي عشرون سنة, ولتحشد سياسياً المواقف العربية والإسلامية والدولية حول موقفها المتوازن. وقد تبدى ذلك الأمر في اعتبار تصريح وزير الخارجية الأمريكية كولن باول, الذي اتخذه حتى قبل إصدار الحكم ضد المتهمين بأنه إيجابي, رغم انه نوه بأن هذه العقوبات ستبقى مفروضة على ليبيا, وأنه من السابق رفع العقوبات, وأن هناك أموراً أخرى تقع على عاتق ليبيا أهمها, نبذ الإرهاب. ومرد ذلك يعود للقناعة الليبية التي ترى بأنها ربحت القضية ولم تخسرها, وهذا الكسب يضاف إلى جملة المكاسب التي بدأت أولى خطواتها الإيجابية في محكمة العدل الدولية في لاهاي, وقضي بها في ذلك الحين بشكل مستعجل لصالح ليبيا. بينما رأى البعض الآخر بأنه مجرد اتهام واحد من اثنين ستبقى ليبيا بكتلة شعبها, ترضخ لابتزاز طرفي النزاع وسيبقى يستخدم هذا الاتهام حسب ما تمليه مصالح الولايات المتحدة أولاً وبريطانيا ثانياً. خاصة وأن إدانة واحد انطلاقاً من منطق القوة سيبقي على عاتق ليبيا الكثير من الأعباء وسيجرها نحو الكثير من التنازلات غير المنظورة راهناً, بل أكثر من ذلك سيجر عليها وعلى غيرها الوبال, وسيتم الالتفاف على قرار المحكمة المجزوء أصلاً الذي سيجر ليبيا وغيرها نحو تقديم الاتاواة الكبيرة التي ستطال حتى ثرواتها الوطنية كهدف معلن أصلاً, وأن الباب أصبح مفتوحاً على كل الاحتمالات السيئة, وأنه بالضرورة ستكون الغلبة في هذه المعركة للطرف الأقوى, والمتمثل بالولايات المتحدة. واعتبار كل ما يقال عن قرب رفع الحصار عن ليبيا هي مجرد تخمينات, باعتبار أن تحقيقات جديدة قد بدأت عن البحث عن الجناة الذين دفعوا المقراحي لهذا العمل. وعلى ما يبدو أن مرحلة جديدة من شد الحبال قد بدأت تلوح في الأفق بين الطرف الليبي وطرفي النزاع بريطانيا وأمريكا, وهذا ما حاول الرئيس القذافي التعبير عنه بكل وضوح, حيث اعتبر أن ما جرى في المحكمة مجرد محكمة سياسية بعيدة كل البعد عن النزاهة, وأن لدى العقيد القذافي كل ما من شأنه تقديم الدلائل والقرائن الدامغة التي تبرئ فحيمة. وقد شد من أزر الموقف الليبي الرئيس السابق لجنوب أفريقيا نيلسون مانديلا والذي اعتبر بقاء الحصار على ليبيا بعد الحكم يعد خروجاً صارخاً على القانون الدولي. باعتباره طرفاً من الأطراف الثلاثة التي وائمت بين الأطراف من أجل تسليم المتهمين الليبيين إلى القضاء الاسكتلندي على الأراضي الهولندية, بالشراكة مع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان, والسفير السعودي بندر بن سلطان, والذين أخذوا تعهداً من طرف الادعاء لليبيا بأنه فور تسليم المتهمين سيبدأ بشكل ميكانيكي إجرائي, ودون أن تمتد القضية لتحمل ذيولاً أخرى جديدة غير الذي اتخذ في منحى التحقيق ونتائجه بما في ذلك قرار المحكمة النهائي. وليس مستغرباً إذا ما شهدنا في المرحلة المقبلة من تراشق البيانات والتصريحات النارية بين ليبيا والولايات المتحدة, ونعود إلى مرحلة ما قبل تسليم المتهمين الليبيين إلى المحكمة الاسكتلندية, انطلاقاً من الالتفاف على الحق الليبي كمقدمة لتبديده في التعويضات عن الخسائر المذهلة التي خلفتها سنوات الحصار وفقاً لميثاق الأمم المتحدة, والذي تم استخدام الفصل السابع منه بغير موقعه, بالمقابل ديمومة الابتزاز السياسي للحكومة الليبية التي ستجلب إذا ما نجحت الكثير من المنافع للطرف الأمريكي والبريطاني, ومحاولة إلزام ليبيا لتقديم تعويضات بدلاً من أخذها والتي قدرتها بريطانيا وحدها كطرف بـ 700 مليون دولار, رغم تباين موقفها نسبياً عن موقف واشنطن بسبب مصالحها الخاصة وطمعها في السوق الليبية الواسعة. بموازاة ذلك محاولة وضع العصي بالدواليب كما يقال من أجل تأجيل رفع الحصار في بداية عهد الرئيس الأمريكي عن الجمهوريين, جورج بوش الابن, والذي سينساق بذات الطريقة على العراق, وسيفتح الباب على مصراعيه أمام الكثير من دول العالم التي تعاني من مواقف الولايات المتحدة للتشكيك بسياستها غير المتوازنة التي تمارسها. ولعل هذا الأمر بحد ذاته سيؤجل اتخاذ قرار رفع الحصار عن ليبيا من قبل الأمم المتحدة, وسيأخذ وقتاً من الزمن ليس بالقليل, بسبب الوقف البريطاني والأمريكي, ولا غرابة إذا ما توقعنا بداية معركة دبلوماسية حامية الوطيس في أروقة الأمم المتحدة تكون الجامعة العربية أحد أطرافها بشكل مكشوف, وبعض الدول دائمة العضوية مثل روسيا والصين ودول عدم الانحياز والدول الأفريقية التي تقيم علاقات طيبة مع ليبيا وكانت من خلال مانديلا طرفاً بالوساطة التي أدت لتسليم المواطنين الليبيين للمحكمة الاسكتلندية. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق