علق الأديب النيجيري (دول سونيكا), حامل نوبل للآداب, على مذابح التوتسي في رواندا قائلا: يبدو أن موت إنسان واحد مأساة, لكن موت مليون إنسان عملية إحصائية فقط ). تنطوي هذه العبارة على إيحاءات كثيرة في معرض الحديث عن جرائم الحرب الصهيونية الإسرائيلية بحق العرب, فقد أصبح كثيرون في عالمنا المعاصر لا يشعرون بالخجل ولا بالغضب, وهم يرددون سرد هذه الجرائم. والظاهر أن رد هذا الاحساس المتبلد, لاسيما في حوزة الدول الداعمة لإسرائيل هو اتساع حجم الانتهاكات الإسرائيلية في الزمان والنوعية مع بقاء مرتكبيها, حركة ودولة وقيادات وأفرادا, خارج دائرة العقاب, وهكذا بات تناول هذه الانتهاكات وتداولها في أدبيات الصراع الصهيوني العربي.مجرد عملية إحصائية, وفقا لمنظور سونيكا. ومع ذلك, علينا ألا نمل من التعرض للإنتهاكات الإسرائيلية, فالحشد والتعبئة والتوثيق وتلمس سبل الايقاع بالمجرمين, مظاهر لاستشعار المسئولية عن الضحايا والانتصار لهم ولو بعد حين, غير أن الحماس المتنامي في الرحاب العربية لهذه المهمة النبيلة, لا ينبغي له أن يشغلنا عما يحف بها أبعاد ومقتضيات. حقا, هناك تراكم معرفي حول الجرائم الإسرائيلية.. لكن هذه الناحية قد تكون مع إيجابياتها مصدرا للإزعاج, أو حتى مصدرا للصعوبة, بالنسبة لأية معالجة جادة للقضية. وعلى سبيل الاجتهاد في تحديد بعض ما يثيره هذا التراكم, الذي يتعين أخذه في الحسبان, نلاحظ: أولا, امتداد النطاق الزمني للممارسات الإرهابية الصهيونية. فثمة إنتهاكات تعود الى أكثر من مئة عام, فما موقعها من المسألة القانونية. وتزداد فرص متابعه هذه الممارسات بعد تبلور الفكرة الصهيونية, وتأطر الصهاينة في حركات منظمة ومعلومة الملامح البنيوية, تضطلع بالارهاب المبرمج ضد العرب, كمنظمات الارجون وليحي وشتيرن. وبالطبع فإن تحول الحركة أو الحركات الى دولة بدءا من 1948 يسهل أكثر مطلب الرصد والتدقيق في انتهاكات حقوق العرب, لاسيما الفلسطينيين منهم. كما يسهل احتمال ملاحقة مرتكبيها, لوقوعهم تحت طائلة ما يعرف بإرهاب الدولة. وهو مفهوم عام يصدق على كل الإنتهاكات الإسرائيلية منذ 1948. ثانيا: ضرورة التصنيف النوعي أو الموضوعي للإنتهاكات والجرائم. فإن نحن حصرنا المعالجة بمراحل ما بعد قيام الدولة اليهودية, نجد أن هذه الدولة إقترفت كل أنماط الانتهاكات التي يجرمها القانون الدولي العام والخاص, بمختلف أجياله ومنظوماته المتصلة بحقوق الإنسان والشعوب. ويمثل تبويب هذه الانتهاكات مسألة ملحة وليست بالهينة. فمنها, ما يخص حقوق الإنسان السياسية والمدنية, وما ينتهك الحقوق الاجتماعية والاقتصادية, وما يتعلق بانتهاك حقوق الشعوب وفي طليعتها الحق في الاستقلال وتقرير المصير. وثمة إنتهاكات تندرج تحت قوانين الحرب والجرائم ضد الإنسانية والجرائم ضد السلام. هذا فضلا عن ما يتصل بالاعتداء على حقوق المرأة والطفل والمسنين والعجزة والبيئة. ولكل باب من هذه الأبواب منظومته الحقوقية الخاصة, التي أنتجتها الأمم المتحضرة وأقرت العمل بها في عالمنا المعاصر. وربما جاز تصنيف الانتهاكات عبر مداخل فرعية رديفة اخرى . كاعتبار بعضها إنتهاكات قديمة, تحتاج لإماطة اللثام عنها, وجمع المزيد من البيانات والحقائق حولها, وبيان مدى مسئولية إسرائيل الدولة بخصوصها. وبعضها قديم ومتجدد وطويل الأجل, مثل انتهاك اسرائيل لحق العودة الفلسطيني والإستيلاء على أموال اللاجئين وإستثمارها, واحتلال أراض فلسطينية لم يتضمنها قرار التقسيم منذ 1947. وبعض الانتهاكات قد ينطبق عليه مفهوم (الانتهاكات المركبة), فإسرائيل مثلا لا تنتهك حق العودة الفلسطينية فقط, وإنما تعتدي أيضا على اللاجئين داخل الأرض المحتلة وفي الملاجئ, وتلاحقهم أينما كانوا بالاعتقال والتعذيب والاغتيال. ثالثا: تنتشر الانتهاكات الإسرائيلية على مساحة جغرافية سياسية واسعة, فالقول بأن إسرائيل ارتكبت جرائم دولية بحق العرب هو صحيح بالمعنى العام, بين أن قولا كهذا لن يكون مفهوما من زاوية الاجراءات القانونية الصارمة. ففي التفاصيل, يتوجب التمييز بين ما يخص هذا الطرف العربي أو ذاك بالتحديد, والتعريف بالسياقات التاريخية والسياسية والعسكرية التي أحاطت بهذه الجرائم. فالاعتداءات الحدودية على مواقع وسكان وممتلكات مثلا تخص دولا عربية بعينها, ويتعين على هذه الدول أن تضطلع بحيثيات التقاضي حولها وكيفية تجريم المسئولين عنها في إسرائيل. وكذا الأمر فيما يتعلق ببقية أنماط الجرائم الاخرى (ضرب المفاعل النووي في العراق, قصف حمام الشط في تونس, إسقاط الطائرة المدنية الليبية عام 1972 فوق سيناء, قتل الأسرى عامي 1956 و1967) نحن في كل حال, إزاء نموذج متفرد من الارهاب لدولة عاصية, وليس القول بأن جرائمها الدولية تفوق ممارسات العهد النازي بالمبالغ فيه. النازيون حكموا بين 1933 و,1945 وهذه الفترة التي مارسوا فيها جرائمهم, لا تقارن بالفترة التي عاثت فيها الدولة الصهيونية فسادا في الأرض العربية بطولها وعرضها. لدينا كعرب, ما يستنفرنا لأداء واجب التصدي لهذه الجرائم المزمنة, كي ننتقم لضحايا الارهاب الصهيوني من ناحية, فإن لم نستطع لسبب أو أخر قريبا, فكي نحفظ للأجيال حقهم في جوف الوحش الصهيوني من ناحية ثانية, وكي نبلغ المجرمين الصهاينة الدوليين, أنهم لن يكونوا بمغازة من العقاب بغض النظر عن توالي الزمن, فالجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم ويمكن إدانة مرتكبيها أحياء أو أموات. * كاتب فلسطيني ــ القاهرة