ما معنى ان تشعر بالغربة وانت في وطنك الذي ولدت على ترابه, وتنسمت هواءه طفلاً صغيراً وشاباً يافعاً, وخطت قدماك نحو الكهولة وأنت في كنفه, وربما رددت الى أرذل العمر وأنت مستظل بسمائه؟ انه شعور شبيه بذلك الذي يمكن ان ينتابك احياناً وسط جمع حاشد من البشر يتحركون ويثيرون الصخب من حولك في الوقت الذي تشعر فيه انت بالوحدة القاتلة وتحس بالاختناق. قليل هم الذين لم يتعرضوا لموقف كهذا.. وقليل ايضاً هم اولئك الذين يحسون بالغربة في اوطانهم.. ليس لأن غربة الوطن هذه نادرة, بل لعلها هي السائدة الغالبة, ولكن لأن الشعور بهذا النوع من الغربة يتطلب حساً عالياً هو النادر بين البشر. ولذلك فإن أول من تعرض للشعور بالغربة في الوطن وأكثر من تعرض له هم الانبياء والرسل والمصلحون والفلاسفة والمفكرون, ومن هنا كان صادقاً جداً ومعبراً ذلك المثل الذي يقول: (لا كرامة لنبي في وطنه). هل نحن بحاجة الى أمثلة من الماضي والحاضر؟ ان كنا بحاجة لذلك فالأمثلة كثيرة واستحضارها سهل اما اشهرها على الاطلاق فهو ما تعرض له نبينا محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ وما واجهه قبل الرسالة وبعدها, لقد كان ــ عليه الصلاة والسلام ــ قبل الرسالة يشعر بالغربة عن مجتمع مكة السادر في غيه المتعلق بعبادة الأوثان المغيب العقل المنغمس في ممارسات وسلوكيات بعيدة عن الفطرة السليمة والخلق القويم, فلما جاهر بالدعوة حاربه الأهل من بني هاشم والعشيرة من قريش, وضيقوا الخناق عليه وعلى الذين آمنوا برسالته واتبعوه, واضطروهم للهجرة الى المدينة بعد ان عاملوهم معاملة الأغراب وهم في وطنهم مكة. ولم يكن ذلك سوى مشهد مكرر مما حدث لكثير من الانبياء والرسل السابقين ان لم يكن لأغلبهم.. حتى غدت تلك هي القاعدة التي لم يشذ عنها الا القليل. فإذا ما انتقلنا الى الفلاسفة وجدنا أمامنا (سقراط) يجول في طرقات وأسواق وملاعب أثينا بملابسه الرثة وثوبه المهلهل, سائراً على مهل في الأماكن الطلقة غير مهتم بسخافة السياسة, يتحدث الى الناس في الفضيلة والعدل والتقوى, ممسكاً بتلابيب مناقشه وفريسته جامعاً الشباب والمتعلمين حوله, يستدرجهم الى احدى الزوايا المظلمة في أروقة المعبد, ويسألهم ان يحددوا او يعرفوا كلامهم. وكان هؤلاء الشبان يلتفون حوله في جماعات كثيرة حتى اتهم بإفساد عقائدهم, لم يهتم سقراط بالغد ولم يعمل في حياته قط, وكان يأكل عندما يسأله تلاميذه ان يشرف موائدهم دليلاً على انهم قد أحبوا عشرته ومرافقته, ولكنه لم يكن يستقبل في بيته استقبالاً حسناً, ولم يكن يرحب به من قبل زوجته وأولاده, كان في نظر زوجته كسولاً لا يصلح لشيء, لم يوفر لعائلته اكثر من الخبز كما انه لم يجد ترحيباً لدى المواطنين الاثينيين الكبار في السن لأنه آمن بإله واحد وكفر بآلهتهم المتعددة, وأدرك ان هناك شريعة اخلاقية ابدية لا يمكن ان تقوم على دين ضعيف كالدين الذي آمنت به أثينا في ذلك الوقت, ولذلك فقد حكمت عليه أثينا بالموت بواسطة السم, وجاء أصدقاؤه الى سجنه يعرضون عليه مهرباً سهلاً, اذ رشوا الموظفين الذين يقفون بينه وبين الحرية والفرار, ولكنه رفض فقد بلغ السبعين من عمره, وربما اعتقد ان الوقت قد حان ليفارق الحياة, وأنه قد لا يموت ابداً بمثل هذه الطريقة المفيدة لتدعيم مبادئه, وقال لأصدقائه الحزينين: (افرحوا, وقولوا انكم توارون في التراب جسدي فقط). وقد سجل تلميذه أفلاطون ذلك في نثر لا يقل روعة عن الشعر. تلك هي غربة الانبياء والفلاسفة والمصلحين والمفكرين في أوطانهم وبين اهلهم وبني عشيرتهم, فهل هي مقصورة عليهم أم ان للناس العاديين البسطاء ايضاً غربتهم الداخلية؟ ذلك هو السؤال الذي اردنا الوصول اليه, وعلى كل منا ان يبحث عن الجواب في داخله وبين ثنايا ذاته, ولكن عليه قبل ان يبحث عن الاجابة ان يبحث عن ذلك الحس العالي الذي قلنا بندرته بين البشر. هل نسميه الضمير؟ ام نطلق عليه جهاز الانذار المبكر الذي تنطلق صافرته كلما تعرض الوطن لما يدنس ترابه, ويفسد هواءه, ويحجب عن الرؤية روعة سمائه؟ وهل هو الجهاز نفسه الذي يتحرك مؤشره وترتفع درجة حساسيته كلما تعرضت كرامة الفرد للمساس داخل الوطن؟ انه شيء شبيه بذلك ان لم يكن هو بالضبط, فكرامة الفرد من كرامة الوطن وكرامة الوطن من كرامة الفرد معادلة لا تقبل النقاش والتجزئة, فلا كرامة للفرد في ظل وطن مهان مدنس الأرض محجوب الفضاء ولا كرامة للوطن اذا ما جن الليل على بنيه وهم يتقلبون على جمر القهر, ويطبقون الضلوع على قلوب تنوء بحمل الهم ونفوس تكتوي بنار الظلم, حتى اذا ما طلع النهار عليهم واجهتهم الحقيقة دون قناع لتزيد من عذاباتهم وتكرس غربتهم في أوطانهم. فما أصعب ان يجد المرء نفسه محروماً من حق من حقوقه في وطن يدعي المساواة بين مواطنيه بينما يتمتع غيره بنعيم الوطن, ما يستحق منه وما لا يستحق, فيبحث في عالم الجينات عن تلك الجينة التي تجعل من حاملها انساناً خارقاً لنواميس الكون وقوانين الطبيعة والحق والمنطق, محطماً لكل الارقام القياسية في سرعة الوصول الى ما يعجز غيره عن الوصول اليه على مدى سنوات من الجهد والسعي وطرق كل الابواب طرقاً تكل منه الايدي, ولكن صوته لا يصل الى آذان اولئك القابعين خلفها الذين يصل الى اسماعهم همس حاملي تلك الجينات دون عناء وتتحول أمنياتهم الى أوامر وأحلامهم الى واقع! وما أقسى ذلك الاحساس بالقهر والظلم الذي يشعر به الانسان وهو يرى نفسه محروما من احتلال موقعه الذي يستحقه, بينما يتقدم الأقل منه علماً وكفاءة وشأناً الصفوف ويحتل افضل المواقع فيجهد نفسه في البحث عن الاسباب, ويظل يبحث ويبحث ويبحث في داخله حتى يكتشف بعد فوات الأوان انها لا تكمن فيه وانما تضرب بجذورها في تربة تلك البيئة الاجتماعية المتمترسة خلف دعاوى زائفة لا تنفرج الستارة عن زيفها الا في نهاية المسرحية حين تغدو محاولة اعادة عقارب الساعة للوراء حركة عبثية لا يمكن ان تسفر عن شيء, وحينها يصبح الاحساس بالغربة في الوطن هو الخيار الأفضل بين خيارات اخرى اذا اصفرت اوراق شجرة الأمل وأخذت في التساقط, وجفت اغصانها. سيظل ذوو هذا النوع من الغربة ــ في نظر البعض ــ طيوراً يتواصل تغريدها خارج السرب, وسيبقى الوطن ــ رغم كل ذلك ــ هو الأم الرؤوم التي تحنو على ابنائها.. وسيبقى هو المرفأ الذي تلوذ به سفننا كلما عصفت الريح وعلا الموج.. ومهما كانت غربتنا فيه فسنظل نردد وأعيننا لا تبارح فضاءه الرحب: بلادي وان جارت علي عزيزة وأهلي وان ضنوا علي كرام