استراحة البيان، يكتبها اليوم: ظاعن شاهين، 1 ,2, 3, بووم في الوقت الذي يتباهى فيه الامريكيون بأنهم أول من اخترع مفهوم الكيمياء الغذائية للتمتع بالصحة والعمر المديد دون مشاكل, يقف الآسيويون على الطرف الآخر وخاصة في شرق آسيا، وبالتحديد في كوريا الجنوبية بطرح مفهوم مضاد هو 1,2,3, بووم! مؤكدين من خلاله على أنه الخلاص من أمراض العصر المتلاحقة التي جعلت من انسان اليوم حقلاً خصباً لتجارب الاطباء ومن يدور في فلكهم. وقد تعقد الدهشة لسانك عزيزي القارىء مثلما عقدت لساني قبلك وأنا أرسم انطلاقة الارقام الثلاثة وانفجارها في هذا المفهوم المثير الذي اعتقد أنه لم يعد مفهوما, ورغم ذلك ابحرت صاغراً كي أفهم ما وراء تلك اللعبة المسلية.. فقد جمعتنا احدى الرحلات الصحفية بمن يعرف هذا المفهوم وكان ذلك في تايوان, حيث كشف العشاء الذي أعده المسئولون عنا بدقة وعناية ابعاد ذاك اللغز, فقد كان العشاء الذي يتكون من 11 طبقا مثار نقاش بيننا نحن الضيوف, حيث كنا نتناول اشياء لا نعرفها, وبعد كل طبق نهز رؤوسنا ونحرك عضلات وجوهنا بعلامات الرضا والقبول, دون ان ندري بأننا نأكل اطباقاً غريبة ومقززة, فقد كانت المأكولات المقلية التي قدمت لنا لا تقاوم ابداً وجعلت بعضنا يطلب المزيد, الا ان القائمة التي نقشت باللغة الصينية وقفت سدّا أمام تلك الطلبات, اضافة الى البروتوكول الذي وقف ايضا حجر عثرة امام المزيد منها. كانت الاطباق التي توالت على المائدة تباعا عبارة عن عينات أكل قبل ان تكون طعاما تمتلىء المعدة به, وهذا هو سر الرغبة لمعرفة الطبق المقبل.. عموما وبعد أن أكلنا الطبق الحادي عشر لم نشعر بالشبع بعد, لكننا تهامسنا بأننا سنعوض ذلك في الحلويات التي سنلتهمها التهاما, ولم يكذب المضيفون حدسنا فجاءت الاطباق الحلوة تباعاً. قال مرافقنا الصيني الذي فضل ان نطلق عليه اسم عثمان بلغة عربية فصحى .. هل اعجبكم الطعام؟ قلنا بصوت واحد: نعم, واضاف آخر بعض الاطباق عبارة عن عينات وتمنينا لو كنا نعرف اسمها حتى يتسنى لنا أن نطلبها في وقت آخر. قال: آه, أنت تتكلم عن الطبق الذي كان الأكل فيه عبارة عن دوائر مقلية, أليس كذلك.. قال صاحبنا: نعم, فأجاب عثمان الصيني سأكتبه لك.. انه ثعبان البحر, قلنا: ماذا؟ قال: ماذا دهاكم انه ثعبان البحر, ولو كان الأمر بيدي لجلبت لكم أغلى اطباق تايوان لكن للأسف الآن غير متوفر! قال صاحبي: وما هو هذا الطبق؟.. أجاب على الفور انه لحم الحمار. قلت: بالله عليك ما هي الاطباق التي تواترت علينا اثناء العشاء وما هي مكوناتها؟ أجاب: لا عليك انه سر الاطباق الصينية! وما هي إلا ثوان حتى وجدنا انفسنا نفرغ ما التهمناه في أقرب حمّام وعيوننا تكاد تقفز من وجوهنا الصفراء الذابلة. وبعد ان هدأت العاصفة التي أجتاحت دواخلنا وبدأنا بالتقاط الانفاس مرة اخرى, دون ان يدري صاحبنا الصيني بأننا أفرغنا اطباقه في الحمّام بحلوها ومّرها.. عاودت السؤال من جديد عن اسرار الأطباق الصينية فأشار الى أن الاعتقادات الموروثة والمترسخة عند شعوب شرق آسيا تكاد لا تنقطع أو تتوارى بفعل التطورات الحديثة فكلما اجتاحت العالم أفكار أخرى للتغيير يزداد التعلق عند شعوبنا بموروثاتهم القديمة. وحتى لا أذهب بعيداً أشير إلى أن هناك مفهوماً ابتدعه الكوريون أو بالاحرى قام البعض بإحيائه رداً على الامريكيين الذين ابتدعوا مفهوم الكيمياء الغذائية هذا المفهوم الذي يسمى 1,2,3, بووم! عبارة عن اعتقادات قديمة موروثة تعتمد على أكل المأكولات الغريبة, ورغم ان معظمنا يأنف المأكولات الغريبة كالافاعي ومخلب الدب ومرارته والسحالي المجففة وأم اربعة وأربعين وقرون الغزلان الا ان الكثيرين الآن يبحثون عن مثل هذه الأشياء مهما غلا ثمنها بسبب فوائدها العلاجية المزعومة. ورغم أن الدول مثل كوريا الجنوبية تمنع رسميا الاتجار بالاطعمة المقرفة إلا أن تهريب الزواحف الغريبة والحشرات واجزاء الحيوانات يستمر بلا توقف, كما ان الكوريين الجنوبيين يقومون برحلات سياحية منظمة إلى تايلاند والصين والفلبين لتذوق مثل هذه الاكلات. قلت: الا تعتقد يا عثمان ان رياح العولمة ستقتلع تلك المفاهيم والثقافات القديمة؟ قال: لا اعتقد فرغم التحولات السياسية والاقتصادية السريعة التي أدت الى دخول المفاهيم الغربية الى محيطنا فلا يزال الآسيويون يفضلون الطب التقليدي والمداواة بالاعشاب واجزاء الحيوانات بدلا من الطب العصري. وكما في بعض الثقافات الآسيوية الاخرى المتشابهة يعتبر مخلب الدب ومرارته علاجاً للعديد من الحالات والامراض ابتداء من وجع الضرس حتى الصرع, ومرارة الدببة المهربة من امريكا الشمالية وروسيا والصين تباع سراً بجرعات غالية الثمن تفوق ثمن الكوكايين مثلا, ويعتبر حساء مخلب الدب طعاماً فاخرا تبلغ اسعاره مئات الدولارات للطبخة الواحدة, ففي الازقة الخلفية لبلداننا الآسيوية لاتزال المحلات المتخصصة تبيع حساء الافاعي والمأكولات المقوية, ففي كوريا وخلال عطلات نهاية الاسبوع ينسل بعض الكوريين الاثرياء الى الضواحي لشرب دم الغزلان الطازج الذي يعتقد أنه يعطيهم حيوية ونشاطا. اما بالنسبة للحوم الكلاب فالغرب يبقى غربا وكوريا تبقى كوريا, فالكوريون يؤمنون بأن لحم الكلاب يقوي الرجال, سواء كان هذا الكوري, أمياً أم متعلماً فـ (تشون كينج) عالم الانثروبولوجيا في جامعة سيئول الوطنية يقول مثلما يعتز هؤلاء الاجانب بثقافتهم الخاصة عليهم أيضاً أن يحترموا ثقافة الشعوب الأخرى وعندئذ فقط يحق لهم أن يسموا انفسهم متحضرين! هذا هو أيها الاعزاء مفهوم 1,2,3, بووم! ولم نجد تعليقاً على هذه اللوعة سوى ان نتشبث بالمثل العربي القديم ونصرخ بأعلى صوتنا.. وللناس فيما يعشقون مذاهب!