مسألة التقادم: يمثل عدم تقادم الجرائم مشكلة دستورية لبعض الدول, لان الدساتير لا تتضمن مادة مماثلة لتلك الواردة فى النظام الاساسى (م29). طبقا لتلك المادة, فإن الدول الأعضاء تلتزم بتقديم الاشخاص الى المحكمة بغض النظر عن القيود الزمنية الواردة فى دساتيرها أو قوانينها الوطنية. ج- وللتوصل الى حل لهذه المعضلة, فهناك عدد من البدائل: تعديل دستورى يسمح بالتعاون مع المحكمة الدولية فى كل الأحوال, وهو ماذهبت اليه فرنسا التى قرر مجلسها الدستورى ان النظام الاساسى للمحكمة يتعارض مع الدستور الفرنسى بالتدخل فى السيادة الوطنية بما يحرم فرنسا من سلطانها فيما يتعلق بمحاكمة الأفراد الذين ارتكبوا جرائم دولية ومضى على ذلك ثلاثون عاما. يمكن كذلك تعديل القوانين بالشكل الذى يحدد أن الجرائم الدولية التى تدخل فى اختصاص المحكمة الجنائية الدولية تخضع لاختصاص القضاء الوطنى ولا تتقادم. 3 مسألة تقديم Surrender الدولة لمواطنيها: تنص أغلب الدساتير على حظر تسليم مواطنى الدولة. وللتوصل الى حل لهذه المعضلة, فهناك عدد من البدائل: من خلال الاجراء التشريعى الذى يتم به التصديق على النظام الاساسى, وذلك بتوضيح الفارق بين تسليم Extradition الشخص الى دولة أخرى, وتقديمه Surrendering الى المحكمة الجنائية الدولية, على اعتبار ان تلك المحكمة ليست اختصاصا اجنبيا. من خلال تعديل دستورى بسيط يسمح باستثناء على المبدأ, وذلك لتفادى شبهة عدم الدستورية التى يمكن ان تثار أمام المحاكم الوطنية. 4 مسألة امكانية مبادرة المدعى العام بالتحقيق: طبقا للمواد (13/ج, 15) يجوز للمدعى العام أن يبادر بالتحقيق من تلقاء نفسه propio motu بناء على معلومات يحصل عليها من أى مصدر موثوق به فيما يتعلق بالجرائم المنصوص عليها فى النظام الأساسى. الا أنه توجد محددات وقيود عديدة على ممارسة المدعى العام لهذا الحق حددتها المواد التى من 15 إلى 19 ومنها: ان قرار المدعى العام يتم مراجعته بواسطة المحكمة التمهيدية pre-trial chamber. انه يجب ان يتم اخطار كل الدول, ويكون لها الحق فى معارضة قرارات المحكمة التمهيدية. 5- مسألة العفو عن الجريمة: تعطي أغلب الدساتير لرؤساء الدول حق منح العفو, وهنا يجب ان نفرق بين حالتين: اذا كان ذلك العفو قد صدر بعد صدور الحكم من محكمة وطنية, ففى هذه الحالة لا تستطيع المحكمة الجنائية الدولية محاكمة نفس الشخص عن نفس الجريمة مرة أخرى, الا اذا اثبت أن الاجراءات كانت بهدف حماية الشخص من المسئولية الجنائية. أما اذا كان العفو بعد صدور الحكم من المحكمة الجنائية الدولية, فإنه غير جائز, لأن المادة 110/ج من النظام الاساسى تعطى للمحكمة وحدها حق تخفيض العقوبة التى تم توقيعها. مبدأ التكاملية ينص النظام الأساسى فى ديباجته ومادته الأولى على هذا المبدأ, ولكن لا يوجد الالزام فى هذا النظام على ان تقوم الدول بمحاكمة المتمهمين بالجرائم الواردة فيه, فهذا الالزام يوجد فى اتفاقيات جنيف لعام ,1949 واتفاقية الابادة. وطبقا لهذا المبدأ, فأن المحكمة الجنائية الدولية تمارس اختصاصها فقط عندما تتقاعس الدول الاعضاء عن اتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة بنية حسنة عند ارتكاب احدى الجرائم التى نص عليها النظام الاساسى. الا ان هذا المبدأ يخضع لاستثناءات هامة بمقتضى المادة 17 من النظام الاساسى وهى كما يلى: عدم رغبة الدولة بشكل حقيقى فى محاكمة مقترفى هذه الجرائم. عدم مقدرة الدولة فى القيام بذلك. ج ــ اذا كان الأمر بعدم وجود وجه لاقامة الدعوى, كان مبنيا على الرغبة فى حماية شخص من الخضوع للعدالة. د ــ أو اذا كان الأمر مبنيا على عدم قدرة الدولة على ممارسة سلطاتها القضائية. وتعنى (عدم الرغبة) فى مفهوم المادة 17/2 مايلى: ان الاجراءات تم اتخاذها بهدف حماية الشخص المتهم من المسئولية الجنائية عن افعاله. ان القرار الذى اتخذته الدولة بعدم المضى فى الاجراءات كان مدفوعا بنفس الهدف. ج- التأخر غير المبرر فى اتخاذ الاجراءات. د ــ ان الاجراءات لم تكن مستقلة ومحايدة, ولم يتم اتخاذها بنية اخضاع الشخص المسئول للعدالة. 5ـ ــ وتعنى (عدم المقدرة) فى مفهوم المادة 17/3 مايلى: انهيار النظام القضائي الوطنى بشكل كامل أو جزئي. عجز النظام القضائي الوطنى عن التمكن من المتهم أو الأدلة الضرورية, أو عدم قدرته على اتخاذ اجراءاته. ويعتبر نشوء اختصاص المحكمة الجنائية الدولية فى الحالات السابقة استثناء على مبدأ هام من مبادىء القانون الجنائي, والذى بمقتضاه لا يجوز أن يحاكم الشخص مرتين على نفس الجريمة ( (ne bis in idem (المادة 20 التى تجيز محاكمة الشخص حتى ولو كان قد تمت محاكمته على نفس الجريمة أمام القضاء الوطنى). ويتطلب الأمر اضافة هذا الاستثناء على القوانين الوطنية. تعريف الجرائم ونطاقها: من الأهمية بمكان أن تقوم الدول بإدراج تعريف الجرائم فى قوانينها الوطنية بما يتماشى مع ما ورد فى النظام الأساسى للمحكمة الجنائية الدولية, وفيما يتعلق نقدم موجزا لذلك التعريف ونطاقه : جريمة الابادة: أ ــ تعتبر هذه الجريمة من أخطر الجرائم ضد الانسانية, ولقد تبنى النظام الاساسى للمحكمة التعريف الذى ورد فى اتفاقية 1948 الخاصة بمنع ومكافحة جريمة الابادة, ويستند هذا التعريف على العناصر الثلاثة التالية: ارتكاب واحدة أو أكثر من الافعال الخمسة التالية: القتل: احداث ضرر جسيم جسدى أو عقلى. تعمد خلق ظروف معيشية تهدف الى احداث دمار جسدى كامل أو جزئي. فرض اجراءات تهدف الى منع الولادة. النقل القسرى للأطفال من مجموعة الى مجموعة أخرى. استهداف جماعات قومية أو عرقية أو جنسية أو دينية لهذا السبب. نية القضاء على مجموعة بشكل كامل أو جزئي, ولذلك يتطلب اجراء ايجابى, فالابادة لا يمكن أن ترتكب بالاهمال, كما أن عبارة (بشكل كامل أو جزئي) لا تعنى ان اجراء عنصرى منعزل يمكن أن يشكل جريمة الابادة, حيث يجب ان تكون هناك نية للقضاء على اعداد كبيرة من مجموعة. ب ــ الدول التى صدقت على اتفاقية الابادة السابق الاشارة اليها, ملزمة طبقا لهذه الاتفاقية ان تدرج هذا التعريف فى قوانينها, أما تلك الدول التى لم تفعل, أو ليست طرفا فى تلك الاتفاقية, فأمامها البدائل التالية: ادراج تعريف يتطابق تماما مع نص المادة 6 من النظام الاساسى. ادراج كل عنصر من عناصر الجريمة بشكل مفصل فى القانون الجنائي, حيث يمكن مثلا أن تحدد جريمة القتل الجماعى التى ترتكب بهدف القضاء بشكل كامل أو جزئي على مجموعة قومية أو عرقية أو.. الخ, وهكذا بالنسبة لباقى عناصر الجريمة (وهذا ماقامت به استراليا فيما يتعلق بقانونها الخاص بجرائم الحرب). تعديل القانون الجنائي. جرائم ضد الإنسانية: تحدد المادة السابعة من النظام الاساسى هذه الجرائم غير الانسانية فى نطاق انها (جزء من هجوم واسع ومنهجى ضد السكان المدنيين فى وقت السلم أو الحرب). يتضمن التعريف ستة عناصر هى: هجوم واسع النطاق, يعنى أن يؤدى الى عدد كبير من الضحايا, أو (منهجى) يعنى درجة عالية التنظيم طبقا لخطة أو سياسة, ووجود كلمة أو (تعنى) أن الترابط التراكمى ليس ضروريا, فقتل شخص واحد قد يعنى جريمة ضد الانسانية اذا كان ذلك قد تم فى اطار هجوم منهجى. أن يكون ذلك موجها ضد السكان المدنيين. أن يكون ذلك على الشكل التالى: قتل. اهلاك. استبعاد. ترحيل أو نقل تعسفى للسكان. السجن أو الحرمان الشديد من الحرية بالمخالفة للقواعد الجوهرية للقانون الدولى. التعذيب. الاغتصاب أو الاستبعاد الجنسى أو العهر القسرى, أو الحمل القسرى, أو التعقيم القسرى, أو أى شكل من أشكال العنف الجنسى المماثل فى الخطورة. إضطهاد أى مجموعة أو جماعة مميزة بناء على أسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو عنصرية أو ثقافية أو دينية أو جنسية أو أى أسباب معترف بها بشكل عام. الاخفاء القسرى للاشخاص. الابارتايد. أى أفعال غير انسانية مشابهة تسبب بشكل متعمد معاناة شديدة أو ضررا خطيرا جسديا أو عقلى. العلم بأن الهجوم موجه ضد سكان مدنيين. وبالنسبة لأفعال الاضطهاد وحدها, فان الاسباب السياسية أو العرقية أو الدينية.. الخ, يجب أن تكون واضحة. تلك الجرائم يمكن أن ترتكب فى وقت السلم أو الحرب, وليس من الضرورى أن ترتكب مرتبطة بجريمة أخرى, ولكن فعل الاضطهاد ضد مجموعة أو جماعة مميزة وحده يجب أن يرتبط بفعل آخر من الأفعال التى عددتها المادة 7/ 1 أو أن جريمة أخرى فى نطاق اختصاص المحكمة. ج- وتشتمل الفقرة الثانية من المادة السابعة من النظام الاساسى على تعريف أشمل لكل المصطلحات الهامة الواردة فى الفقرة الأولى. د- ويمكن للدول أن تختار بين البدائل التالية لادراج تعريف تلك الافعال وقوانينها الوطنية, كى تتطابق مع تلك الواردة فى النظام الاساسى: ان يتم النقل النصى للمادة السابعة. أن يتم ادراج كل فعل وتعريفه على حدة فى القانون الجنائي. جرائم الحرب: هذه الجرائم وردت فى اتفاقيات دولية عديدة, مع ملاحظة ان بعضها جاءت اضيق مماسبق التعارف عليه, بينما جاء بعضها أكثر اتساعا, ولعل أبرزها تجريم الأفعال باعتبارها جرائم حرب حتى تلك التى ترتكب فى نزاعات مسلحة غير دولية. وفيما يتعلق بالجرائم التى ترتكب فى نزاع دولى مسلح, وهو ما عرفته المادة الثامنة فقرة 2/أ, وكذلك المادة الثامنة فقرة 2/ب التى تستمد أساسها من مصادر عديدة منها قواعد لاهاى للعام ,1907 والبروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف, واتفاقيات أخرى تحرم اسلحة معينة. ج ــ وفيما يتعلق بالجرائم التى ترتكب فى نزاع مسلح غير دولى, فهى طبقا للنظام الاساسى تلك النزاعات المسلحة الدخيلة التى لا تشتمل على الاضطرابات الداخلية مثل المظاهرات أو أفعال العنف المنعزلة, طبقا للتعريف الوارد فى المادة الثامنة فى فقرتها الثانية/د/هـ. خاتمة: من المؤكد أن هذه الدراسة لا تجيب بشكل قاطع على العديد من الأسئلة التى طرحت في هذا الصدد, ولكن من المأمول أن تؤدى الى ازالة بعض المخاوف التى صاحبت نشأة وتطور القانون الدولى الانسانى بوجه عام, وخاصة بالنسبة لدول العالم الثالث التى لا تزال تتمسك بفكرة قدسية سيادة الدولة باعتبارها خط دفاع اساسيا عن مصالحها الوطنية, ضد معايير مزدوجة تتغلب فيها اعتبارات السياسة والقوة على اعتبارات الحق والقانون, فالملاحظة الأساسية التى يمكن استخلاصها من النظام الاساسى للمحكمة الدولية الجديدة انها على قدر كبير من الحيدة والاستقلالية, وربما على عكس المتصور قد تحقق فى المستقبل سياجا قانونيا هاما للدول التى قد يحول ضعفها دون امكانية حماية أراضيها ومواطنيها من تلك الانتهاكات غير الانسانية لحقوق مواطنيها سواء فى السلم أو الحرب. ولعل مايؤكد ذلك أن جرائم الحرب مثلا سواء فى النزاعات الدولية أو غير الدولية قد وردت فى اتفاقيات جنيف لعام 1949 وذلك البروتوكولين الاضافيين صدقت عليها معظم دول العالم (ومنها مصر) ومن المعروف أن تطبيق تلك الاتفاقيات لا تعتبر تدخلا فى الشئون الداخلية للدول, ولذلك تطالب الدول العربية بتطبيقها على اسرائيل, ورغم ان الأخيرة كانت تدعى دائما انها لا تعترف بتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة لعام ,1949 والبروتوكول الثانى لعام 1977 على الاراضى المحتلة أو الاسرى الفلسطينيين, ولكن اسرائيل فى نفس الوقت كانت تعلن دائما انها تطبق مع ذلك ماورد بهذه الاتفاقيات. ولابد هنا أيضا أن نشير الى أن فكرة الجرائم ضد الإنسانية قد وردت فى ميثاق محكمة نورمبرج عام ,1945 واصبحت عرفا دوليا منذ ذلك الحين, وتم النص عليها فى محكمتى يوغوسلافيا ورواندا, كما أن جريمة الابادة البشرية معرفة فى معاهدة خاصة لعام 1948 ولا يوجد عليها خلاف فى أى دولة من دول العالم. كاتب مصرى