هل تجبر ليبيا على الانزلاق في طريق يفضي بها الى الاعتراف باسرائيل؟ يجب ألا نستبعد اطلاقا ان هذا ربما يكون المرمى النهائي للمنحى الابتزازي الخطير، الذي تبنته الولايات المتحدة فور صدور حكم الادانة والسجن المؤبد على عبدالباسط المقراحي من محكمة القضاة الاسكتدلنديين في قضية تفجير الطائرة الامريكية فوق قرية لوكيربي الاسكتنلندية قبل نحو 13 عاما. المؤشرات التي صدرت سراعا عن مسئول الادارة الامريكية بمن في ذلك الرئيس بوش نفسه, وكأن واشنطن قد اعدت نفسها للظرف الجديد مسبقا بسيناريو محكم التسلسل توحي بأن عملية الابتزاز الامريكية تبدو وكأن الغرض منها استدراج ليبيا وطاقم قيادتها العليا الى فخ تاريخي. لقد اعتبرت الادارة الامريكية ان ادانة المقراحي هي ادانة تلقائية للنظام الليبي وقيادته. وتأسيسا على هذا الاعتبار وضعت واشنطن ثلاثة شروط على ليبيا ان تنفذها قبل رفع العقوبات الدولية والامريكية المفروضة عليها قبل تسعة اعوام. وهذه الشروط هي بالترتيب: أولا: ان تبوح الحكومة الليبية بكل ما لديها من معلومات بشأن حادثة لوكيربي. ثانيا: ان تقر الحكومة الليبية بأنها هي المسئولة عن تدبير الحادثة وتنفيذها. ثالثا: ان تدفع الحكومة الليبية اموال التعويضات اللازمة الى اقرباء ضحايا الحادثة ــ واغلبيتهم أمريكيون. هنا يطرأ سؤال: هل تغلق واشنطن ملف القضية بصورة نهائية في حالة استجابة الحكومة الليبية لهذه الشروط الثلاثة؟ رغم ان المسئولين الامريكيين لم يقولوا شيئا عن هذه النقطة بالتحديد الا ان المؤشرات الظرفية تشير الى ان واشنطن سوف تفتح صفحة جديدة في الملف. ان ليبيا اذا اقرت بأنها كنظام حاكم هي التي دبرت ونفذت هذه الحادثة الاجرامية, وبالتالي وافقت على دفع التعويضات فإنها بذلك سوف تسجل اعترافا رسميا على نفسها بأنها (دولة ارهابية). وهكذا سوف تعطي مبررا شرعيا لأي اجراء يمكن ان تتخذه الولايات المتحدة ضدها بعد ذلك بما في ذلك شن حرب ومحاولة اختطاف مسئولين ليبيين كبار بذريعة (تقديمهم الى العدالة). هنا نتوقف عند تصريح جاء على لسان بوب مولين مساعد وزير العدل الامريكي حيث يقول ما نصه: (الملف لم يغلق بعد.. وإن التحقيق يتواصل بحثا عن الاشخاص المتورطين كذلك في هذا العمل الارهابي). ومن يكون هؤلاء (الاشخاص المتورطين), الذين لم يشأ ان يسميهم المسئول الامريكي الكبير, سوى طاقم السلطة العليا في ليبيا. كأن الولايات المتحدة ظلت تنتظر بتلهف مثل هذه الفرصة التاريخية التي لا تتكرر لتصفية حسابات امريكية نهائية مع ليبيا القذافي. لكن الاخطر ان واشنطن, من واقع التزامها المبدئي بالشراكة الاستراتيجية مع اسرائيل وتفوقها في الشرق الاوسط قد ترى وجها آخر لاستغلال هذه الفرصة: بروح ابتزازية قد تبلغ العقيد القذافي سرا بأنها على استعداد لوقف الحرب الابتزازية ضده اذا وافق على الاعتراف بإسرائيل. كل دول الشمال الافريقي ــ المغرب والجزائر وتونس ومصر ــ اعترفت باسرائيل.. ليبيا هي الرقم الوحيد الشاذ. وليس من الخيال في شيء ان تعترف ان اليهودية الامريكية تنظر في تداعيات قضية لوكيربي على صعيد ليبيا من هذا المنظور وحده. على ليبيا اذن ان ترفض الشروط الامريكية الثلاثة جملة وتفصيلا وإلا فإنها تكون قد اختارت طريق الهلاك الحتمي. رفض الشروط الامريكية سوف يعني بالطبع استمرار العقوبات على ليبيا ــ العقوبات الامريكية على الاقل ــ لكن هذا الخيار هو أهون الشرين. فالخيار الآخر سوف يعني ببساطة منح الولايات المتحدة فرصة لتفكيك النظام الليبي عن طريق العمل على جر رموزه الكبار الى محاكمة ثانية.