نعرف تماماً ــ اليوم أكثر من أي يوم مضى ــ أن التنمية بمعناها الحقيقي في الإمارات تعاني من إشكاليات عديدة أولها: طغيان الأجانب على التركيبة السكانية وتراجع نسبة المواطنين إلى حدود مخيفة تقدرها الأرقام بـ 18 %!! وثانيها: هيمنة الأجانب على مجمل سوق العمل وحركة الاقتصاد بواقع 99.4%! وثالثها: طغيان العمالة الرخيصة وغير المؤهلة تدريبياً وتقنياً وتعليمياً, هذه الأبعاد الثلاثة لإشكالية التنمية لا تحلها التمنيات ولا القرارات العشوائية ولا حتى السخط والغضب والصراخ ضد خلل التركيبة السكانية. والتنمية استراتيجية مجتمع عبر زمن محدد, تسخر لأجلها الموارد المادية والبشرية, ويستغل الوقت إلى أقصى حدوده من أجل الإفادة منه, لمراكمة إنجازات ليست بالضرورة عملاقة وعظيمة, ولكنها مؤثرة ودافعة نحو إصلاح الخلل وتغيير الأخطاء, هذه التنمية تحتاج إلى الزمن ولكنها قبل الزمن تحتاج لعقول تمتلك رؤية سليمة وثاقبة للمستقبل, في ضوء معرفة دقيقة لملابسات الماضي والحاضر ولمتطلبات الغد. وعندما سئل ولي عهد دبي سمو الشيخ محمد بن راشد عن مخاطر التركيبة السكانية المختلة, وما هي جهود الحكومة لتلافي هذا الخلل خاصة وسموه رئيس لجنة التركيبة السكانية؟ أجاب يومها: بأن (الخلل الحاصل في الوضع السكاني بالإمارات قد تأسس على مدى عقود من الزمن, اندفعنا خلالها في مشاريع بناء وتأسيس الهياكل والبنى التحتية للدولة, وكنا بحاجة لأيد عاملة في ظل شح هذه الأيدي بين مواطني الدولة, وعليه فإن هذا الخلل الذي تراكم خلال أكثر من 50 سنة لا يمكن حله في أيام أو شهور أو حتى سنة وسنتين). إن المنطق الذي أجاب به سمو الشيخ محمد بن راشد سليم جداً, و لكنه يصبح أكثر ديناميكية حين يتبعه تحرك استراتيجي على مستوى الدولة تكون نتيجته المنتظرة إحداث تأثير إيجابي في التوازن السكاني بحيث يميل للاعتدال, رافعاً نسبة التوطين وإحلال الشباب المواطنين محل العمالة الأجنبية في سوق العمل, وهذا تحديداً ما يهدف إليه مشروع الشيخ محمد بن راشد لتعليم تكنولوجيا المعلومات والانترنت للمدارس الثانوية والذي ستكون أولى نتائجه وجود جيل من شباب الوطن يقدرون بالآلاف قادرين على استخدام أحدث آليات وتقنيات العصر والدخول بهما وبقوة إلى سوق العمل ابتداءً بالعام 2006 كما يقدر القائمون على المشروع. وفي اتجاه آخر وبهدف خلق توازن في سوق العمل والتركيبة السكانية, تعمل هيئة (تنمية) الوطنية على تدريب وإعداد الكوادر المواطنة ورعايتها من أجل الدفع بها في سوق العمل وفق احتياجاته وثقافته, وأيضاً في سبيل حل واحدة من إشكاليات التنمية المتمثلة في إيجاد عمالة مواطنة مدربة وعالية التأهيل والتعليم. يبقى أن نلتفت وبشكل جدي وحاسم إلى قطاع التعليم ابتداءً بمراحله التأسيسية وحتى العليا والجامعية, فهذا التعليم بالرغم من كل انجازاته حتى الآن, إلا أن هذه الانجازات كانت ضرورية لمرحلة معينة من مراحل الدولة, يوم كنا نحتاج إلى موظفين وكتبة ومعلمين لسد النقص في هذه الكوادر, لكننا اليوم ندخل حقبة أخرى, وزمناً كونياً آخر ينظر إلى النوعية, وإلى المنافسة والإبداع والاختراع, وآليات السوق عالية المستوى, وبصراحة فإن جزءاً كبيراً من تعليمناً لا يؤهل ولا يقود لتخريج طلاب وطالبات قادرين على الاندماج في سوق العمل بعقلية المنافسة والإبداع والاختراع. من هنا فإن هذا التعليم يحتاج إلى مراجعة شاملة ليتماشى مع المشروع الطموح الذي يتبناه الشيخ محمد, ومع واقع الحال الذي نعيشه وسط عالم منافس لا يتوقف, ومع حقائق أخرى خطيرة ربما أولها اننا لن نضمن إلى الأبد تدفق البترول كمصدر دخل ثابت.