استراحة البيان،50 عاماً في الرمال المتحركة، يكتبها اليوم: سعيد حمدان

في اليمن يعرفون محسن العيني جيدا, لكنه في بلدان أخرى قد لا يعرفونه أو يتذكرونه, أو انهم لم يسمعوا بهذا الاسم من قبل. إنني أحد الذين يجهلون صاحب هذا الاسم. قد أكون شاهدت صورته وقرأت له أو عنه في حادثة أو خبر, لكنني لا أجد اسمه في ذاكرتي. عذري أن صاحب هذه الشخصية هو سياسي كان يشغل رئيس وزراء أو وزير خارجية أو سفيراً عربياً سابقاً. وفي هذا الوطن هناك 22 دولة, وفي كل واحدة عشرات الوزراء والسفراء, وعدد لاينتهي من أولئك الذين يحملون صفة سابق أو اسبق. فماذا ستحفظ الذاكرة من كثرتهم ؟ وعذري أيضا أن محسن العيني بدأ العمل الوطني في الخمسينيات من عمر القرن الماضي. وتولى أول مرة منصب وزير الخارجية في العام 1962. أي في زمن لم اولد فيه بعد, وفي حقبة ضبابية فيها كثير من المتاهات والضياع في اليمن وفي الوطن العربي كله. ما علاقة هذه الشخصية بالموضوع. إن صاحب الخمسين عاما هو الذي يتحدث عن الحركة والحياة في عالم الرمال المتحركة. عشق الرمال هو الذي جذبني لمطالعة هذا المؤلف, وبدل أن أجد الصحراء وجدت هذه الشخصية وهذه التجربة. حكاية خمسين عاما من السياسة و التعب والمؤامرات والخوف والترحال والخصومات والحرب والدبلوماسية والأحلام والوهم وبناء الدولة وقبل ذلك البحث عن هذا الوطن, هذه الرحلة الشاقة الطويلة كانت ستنتهي أو إنها انتهت, جزءاً من الماضي المنسي لا يذكرها أحد, وسيأتي عليها دهر لا يعرفها فيه أحد. هذه الخمسون عاما من عمر اليمن الوطن, من عمر الأمة العربية, هي عمر محسن العيني كما عاش تفاصيلها عن قرب, كانت ستبقى في صندوق ذكرياته, ستنتهي معه, لولا انه فعل عملا صالحا فخلّد ذاكرته وكتب هذا التاريخ. وكتب هذه المرة اسمه لزمن لم يتعرف عليه, وبالتأكيد إن هناك من سيسأل عن محسن العيني اليوم, وسيبحث عنه وسيذكره المستقبل, فمحسن العيني تحوّل إلى كيان, فهو صانع تاريخ وله تجربة مدوّنة في ورق محفوظ. إنه كتاب, والكتاب حياة باقية قائمة لا تنتهي ولا تزول. يتحدث كتاب (خمسون عاما في الرمال المتحركة) عن حياة ودور محسن العيني كما يشرحها الشطر الثاني من العنوان (قصتي مع بناء الدولة الحديثة في اليمن). قد تكون المقدمة من أهم المسببات التي تجذب القارئ لهذا الكتاب, والذي سطّرها ليس هو السياسي المحنك الذي يتقن فن الدبلوماسية واختيار الكلمات التي تتحرك حروفها مع المصالح والأهداف, الذي كتبها مجاهد قديم يحمل حبا جارفا للوطن الصغير والكبير, كلمات من القلب فيها شفافية وخوف وذكريات ودروس. تقول بعض سطورها (هذه ليست قصة الحركة الوطنية اليمنية, ولا قصة الثورة والجمهورية ولا قصة الوحدة, ولا قصة القديم والجديد في اليمن, ولا قصة العلاقات بين جنوب اليمن وشماله, ولا قصة الشباب والمشايخ والضباط إنها قصة من لا يزعم انه مناضل أو زعيم سياسي أو دبلوماسي. قصة مواطن عادي, وجد نفسه في قلب أحداث, لا خيار له في خوضها أو البعد عنها وتجنبها. مواطن وجد نفسه في مواقع مختلفة, فحاول أن يكون صادقا وان يقدم خير ما في نفسه, وقد أكرمه الله فحماه من الاعتقال والسجن والتعذيب والامتهان. وقد ترددت في الكتابة لان كثيرين لا يقرأون. والذين يقرأون يحبون أن يقرأوا ما يوافق هواهم, وإذا قرأوا شيئا آخر فليسوا على استعداد للتفكير فيه, وتفهمه والتسامح مع كاتبه). في الصفحات الأولى من الكتاب يستعرض بداياته, قصة الحياة التي حكمت عليه بالشقاء والبؤس منذ مولده في قرية نائية لاسرة متواضعة بسيطة, ومشوار العذاب الذي بدأه مبكرا. طفل في السابعة من عمره تموت أمه ويموت أبوه ويموت شقيقه الأكبر, وتبدأ حياته في دار الأيتام. هذه المقدمات كفيلة أن تحكم عليه بالضياع والفشل. بدأت حياته من هذه النهاية, رحل إلى صنعاء, عرف المدرسة, وتعلم, واختير ضمن بعثة تعليمية للدراسة في الخارج, مروا بعدن, فأذهلتهم ( فوجئنا فور وصولنا بوجود الأستاذين احمد محمد نعمان ومحمد محمود الزبيري زعيمي اليمنيين الأحرار, وقد سبق أن سمعنا عنهما وقرأنا ما يكتبانه شعرا ونثرا, تنديدا بالإمام وحكمه وظلمه ودعوتهما إلى الإصلاح واستنهاض الشعب وايقاظه وقد ذهبنا معهما إلى دار السينما للمرة الأولى في حياتنا وشاهدنا فيلم (عنتر وعبلة) ولم ننم بعد ذلك أياما إعجابا وذهولا). المحطة الأخيرة للرحلة كانت القاهرة, يصف المؤلف سير هذه الرحلة (سافرنا من عدن على باخرة (الحق) التابعة لشركة (ألبس) واخذنا معنا مطبوعات اليمنيين الأحرار (صوت اليمن) و(اليمن المنهوبة المنكوبة).. وقرأناها في الباخرة, وللأسف وقبيل وصول الباخرة الى ميناء السويس ألقيناها في البحر, فقد كنا نتصور أن ممثل (الإمام) سيكون في الميناء, بل تصوّرنا ان الملك فاروق شخصيا سيكون في استقبالنا في رصيف ميناء السويس !). ويصف حال اليمني البسيط الذي وجد نفسه في دنيا القاهرة ( قدمت إلينا زجاجات الكوكاكولا وكنا نتغامز ونخشى أن تكون خمرا. وعندما شجعونا على شربها كنا رغم العطش نترك ثلثها او ربعها ونلوم من يشربها كاملة ونقول له ان يترك شيئا للخادم.. في القاهرة نزلنا في لوكانده (اكستادي) في شارع فؤاد الاول ( 26 يوليو) امام (الاميركين) وكانت مشكلتنا في تناول الطعام, استعمال الشوكة والسكين, فكان بعضنا يأخذ الفرخة بيده, وسرا يفصلها ويفتتها تحت المائدة وبسرعة يضعها على الصحن, ثم يتباهى بأكلها بالشوكة والسكين بكل بساطة.. وقد زرنا حديقة الحيوان, وكنا نسير في طابور واحد, ويقف المصريون يتفرجون علينا ويسألون: من أين انتم ؟ وعندما نقول: من اليمن, يقولون:أجدع ناس! وهل تتكلمون اللغة العربية هناك ؟! جاءوا الى القاهرة محملين في دواخلهم بالثورة, وفيها تعلموا, وعملوا لبلدهم, أعلنوا الثورة ليسمعها العالم وليساعدهم هذا العالم. تدربوا على السلاح وحملوا الرسائل المشفّرة, قابلوا جمال عبد الناصر شرحوا له حال اليمن وطلبوا دعم مصر, وطاف العيني مع رفاقه بيروت ودمشق وبغداد وذهبوا الى الجزائر. وجاءت ثورة سبتمبر 1962 كان العيني في رحلة الى بغداد, قابل عبد الكريم قاسم, وهناك سمع في الإذاعة عن تشكيل الحكومة وتعيينه وزيرا للخارجية, وكما دخل التشكيل دون أن يخبره أحد قبلها, خرج منه وكان هو آخر من يعلم ذلك ! كان ذلك في السنة ذاتها, بينما هو يمثل بلده في إحدى دورات الجمعية العمومية للأمم المتحدة. يصف ذلك اليوم (يوم الخميس الأول من نوفمبر 1962 نشرت صحيفة (نيويورك تايمز) خبرا من صنعاء يشير الى تسلم الرئيس عبد الله السلال رئاسة الجمهورية وتعيين الدكتور عبد الرحمن البيضاني نائبا للرئيس ونائبا للقائد العام للقوات المسلحة وزيرا للخارجية وتعييني انا مندوبا بالامم المتحدة. أزعجني هذا الخبر, لا لانني أبعدت من منصب وزير الخارجية, فمندوب بالامم المتحدة في مثل تلك الظروف افضل واسهل, ولكن لان الطريقة والأسلوب اللذين تم بهما اختيار اول رئيس في اليمن لا يبشر بخير, ولا يوحي إننا في طريقنا لإنشاء دولة نظام وقانون, ولا إننا سنلتزم أي أسلوب ديمقراطي او شعبي, فكما فوجئت بالخبر وانا وزير الخارجية فوجئ به غيري). يستعرض محسن العيني تجربة السنوات الأولى للثورة: الخوف والبحث عن الدعم في الداخل والخارج, وتركيبة اليمن الصعبة, دور القبائل وفقر البلاد, كثرة الاحتياجات وغلبة الأمية ومصيبة القات. وتعددت المرات التي دخل فيها العيني رئيسا للوزراء او وزيرا للخارجية. وكان كما يصف افضل أيام حياته تلك التي يشعر فيها بالهدوء والراحة, انها تكون في خارج الحكومة, حرا مع زوجته وأولاده. يذكر في تجربته, قصة حدثت له عندما خرج من اليمن, وذهب للقاهرة فوجد نفسه قيد الإقامة الجبرية ( في 19 يناير 1978 تلقيت رسالة من سيف علي الجروان سفير الإمارات العربية المتحدة بالقاهرة, تنقل لي دعوة من وزارة الخارجية لالقاء محاضرة في الندوة الدبلوماسية بأبوظبي يوم 19 مارس, فأجبت بالموافقة واخترت الحديث عن تجربة الوحدة العربية.. وفي مطار القاهرة كان السفير سيف الجروان في وداعي حتى باب الطائرة وبين كبار المسافرين والمودعين لم ينتبه أحد الى انني وأنا الممنوع من السفر بين ركاب الطائرة الخليجية المغادرة. وقد كتبت وأنا في الجو بطاقة الى أولادي في القاهرة: لقد استعدت حريتي التي فقدتها منذ نحو عام. وعندما اتصلت بهم من ابوظبي, قالوا لقد اعتقلوا السائق والحارس. وفي الإمارات كاد ان ينتهي أمره, فحكومة صنعاء تترصد حركته وتبحث عنه, ففي مقر إقامته رن جرس الهاتف يقول: (قبيل منتصف الليل, وأنا ارتب حقيبتي, قالت لي زوجتي: (إن اصدقاءك هنا ينصحون بمضاعفة جرعات الدواء, بسبب الرطوبة الزائدة في ابوظبي). فقلت لها انني اغادر المدينة بعد ساعات. فقالت: إذن لا عليك وفي رعاية الله. ولاحظت, وأنا أغادر الفندق وجود سيارة حراسة إضافية. لعل ذلك كان نتيجة اتصال السفير من صنعاء. كما إن الدكتور إبراهيم الغيص مندوب المراسم قد شد على يدي وهو يودعني في المطار. وقال: في رعاية الله وحراسته. هذا السياسي كما يصف في مذكراته, منحته طبيعة عمله فرصة ان يرى العالم, ويعايش تجارب, ويلتقي زعامات صنعت تاريخاً وحضارة, فالتقى عبد الناصر والملك فيصل وجواهر لال نهرو وانديرا غاندي وجون كيندي. وزار الصين الشعبية وكوريا والهند, والاتحاد السوفييتي في عز مجده, والمانيا وواشنطن وفلسطين. عايش اليمن في حالاته المختلفة من حكم الإمام الى الثورة والجمهورية, ومن الانشطار حالة اليمنيين الى الوحدة. وخلق قاعدة عريضة من العلاقات و الصداقات مع شخصيات سياسية وثقافية واعلامية في الوطن العربي وفي العالم. تجربة رجل مخضرم, جديرة ان تقرأ هذه الرحلة وهذا العمر الحافل والمثير, ويستحق الأستاذ محسن العيني الإعجاب والتقدير على هذا العمل المتميز.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات