يسود في بعض دول العالم الثالث وضع سياسي غاية في الغرابة والخطورة, وذلك حين نجد الرجل الاول في البلاد يختار معاونيه من اناس ذوي مستويات علمية واخلاقية متدنية, وذلك حتى يستطيع السيطرة عليهم ويضمن عدم تمردهم عليه. ان مثل هؤلاء الناس مستعدون دائما لتلبية جميع أوامره وتنفيذ كامل تعليماته دون مناقشة او مساءلة. والذي يحدث بعد ذلك ان المعاونين غير الاكفاء يسيرون على المنوال نفسه ويكررون الوتيرة ذاتها, فينتقون مساعديهم من الرجال الضعفاء الذين لا يفهمون الا لغة الطاعة والانحناء والمباركة. ونتيجة لهذا الوضع نجد ان جميع المراكز الحساسة والاساسية في الدولة هي في ايدي افراد صغار في كفاءاتهم واخلاقياتهم, وذوي مستويات علمية وقيمية اقل بكثير مما ينبغي, مما ينعكس سلبيا بصورة دراماتيكية على سير الامور في البلاد. وهذا كله يحدث بسبب رغبة زعيم ما في الهيمنة الكاملة على الدولة, وفي ابقاء جميع المسئولين وأصحاب المناصب طوع امره ورهن ارادته واسرى رغباته. وفي مثل هذه الحالة نجد ان الاداء على جميع المستويات السياسية والاعلامية والثقافية والاقتصادية والتربوية والعلمية وغيرها واهنا ومتداعيا, ولا يفي بحاجات الوطن. تنظر في الاقتصاد, فترى الغلاء فاحشا والمدخول الفردي ضعيفا, ومعظم الناس يعيشون في مستوى الفقر وشظف العيش. وتنظر في الاعلام, فتجد المادة الصحفية والاذاعية والتلفازية هزيلة ومكرسة للتصفيق للسلطة ومباركة ممارساتها, سواء كانت ايجابية او سلبية. وإذا تمعنت في امر القضاء, يتبين لك ان الواسطة فوق القانون, والفساد اقوى من العدالة, والظلم اكثر من الرحمة. وإذا درست حالة التربية, تجد المناهج المدرسية مشوشة, وكثيرا من المقررات مكرسة لتمجيد النخبة الحاكمة, وصفوف المدارس غير مزودة بالاحتياجات اللازمة, وعدد المدرسين قليل جدا بالنسبة لعدد الطلاب. وهكذا. وفي ظل هذه الاوضاع المتردية, يحاول الدارسون ان يدرسوا اسباب تراجع كل قطاع من قطاعات الدولة على حدة, حتى يقفوا على اسباب عجزه وتدهوره. ولكن هذا كله لا يسفر عن شيء, ولا يفضي الى نتيجة, ولا يجدي فتيلا. انه مجرد دوران في دوامة وحلقة مفرغة لا نهاية لها. والسبب هو ان هناك خيطا واحدا يربط جميع المشكلات ومحورا مركزيا تدور حوله كل الاخفاقات. وهذا الخيط وذاك المحور هما عدم الكفاءة! فعندما نجد بلدا يسبح في المشكلات السياسية والاقتصادية التي تتجلى مثلا في تدني الانتاج وهبوط العملة وعدم توافر العدالة الضريبية والقضاء غير العادل والفقر والبطالة والتسيب والفساد وانعدام الحرية, فإن هذا يمكن ان يعود الى افتقار المسئولين الى الكفايتين العلمية والاخلاقية. وعندما تجد السلطة ان من مصلحتها اصلاح الاحوال, واعادة الامور الى النصاب الصحيح, وتحسين معيشة الناس, تحاول تشكيل اللجان وإجراء الدراسات واتخاذ القرارات لمعرفة اسباب تردي الاوضاع وتفاقم المشكلات, والسعي الى معالجتها. ولكن الذي يحدث هو ان جميع الاستقصاءات التي تجري والاجراءات التي تتخذ لا تسفر عن اية نتيجة تذكر. فمهما بذلت الدولة من جهد ومساع, تظل الاحوال سيئة والمشكلات قائمة. والسبب واضح وضوح الشمس, وهو ان العامل الاصلي الذي قاد الى سوء الاوضاع بقي على حاله. وهنا تقع السلطة في حيرة وتتية في دهاليز التخبط, ولا تعرف ماذا تفعل, اذ ان كل ما تقدم عليه لا يفضي الى اية نتيجة مثمرة. وهنا يحضرني قولان مهمان, أولهما انه ليس هناك ما يسمى بالجريمة الكاملة, بمعنى ان كل من يخطط بطريقة شريرة, لابد ان تتخلل خططه نقاط ضعف تفسدها, وثانيهما ان السحر كثيرا ما ينقلب على الساحر. ان النخب الحاكمة في بعض دول العالم الثالث تحاول ابعاد اصحاب الكفاءات عن تولي المناصب المهمة, لأن هؤلاء لا يقبلون الطاعة العمياء والانحناء المهين, ولا يرضون بتنفيذ الاوامر دون نقاش, ومن غير قناعة. وبدلا من هؤلاء المتمردين, تسعى السلطة الى تسليم مقاليد الامور الى الجهلة وصغار الناس فتسوء احوال البلاد. ومع مرور الزمن, تجد السلطة نفسها قد اصبحت اسيرة في الفخ الذي نصبته للأمة حتى تستمر في الاحتفاظ بسيطرتها. اذ انه عندما تتحول كل الكيانات والمؤسسات في الدولة الى بنى كرتونية هشة, ينكشف الضعف وتبرز التساؤلات وتكثر الاحتجاجات. وهنا تتحمل السلطة تبعات ما يحدث, لأنها لا تستطيع ان تفعل اي شيء لتحسين الاوضاع. ولا شك ان استمرار سيطرة السلطة في ظل استمرار تدهور جميع المرافق, ليس في صالحها, حتى لو بقيت تمسك بزمام الامور. لذلك يحسن ببعض حكام العالم الثالث ان يقلعوا عن تقليعتهم التقليدية التي تتجلى في الاعتماد على الشخصيات الهزيلة في ادارة شئون البلاد والتي تدين لها بالولاء وتحرق تحت اقدامها بخور الطاعة والانحناء, لأن هذا سيؤدي في نهاية المطاف وفي المحصلة النهائية الى الاضرار بمصلحة السلطة نفسها, وذلك عندما ينقلب السحر على الساحر. وما عرضناه هنا يقودنا الى موضوع آخر متصل به اتصالا وثيقا, وهو عبادة الفرد في العالم الثالث, وهي تقليعة آخذة لحسن الحظ بالاضمحلال والذواء. فعندما يكون هناك تركيز غير عادي على شخص واحد يقود البلاد, وحينما يتم تصويره على انه معجزة من معجزات الزمان واعجوبة من اعاجيب الدهر, فإن هذا يقتضي ان يكون جميع المسئولين الآخرين اشبه بأحجار الشطرنج او قطعان الغنم الذين لا يملكون سوى الانصياع والتصفيق. كاتب سوري