من كامب زايست في هولندا سوف تتحول أنظار العالم الى طرابلس في ليبيا. وهكذا يبدأ فصل ثان لرواية (لوكيربي). ان نهاية المحاكمة التي مثل أمامها الليبيان عبدالباسط المقراحي والامين فحيمة فأدان فيها القضاة الاسكتلنديون الأول وبرأوا الثاني في قضية الطائرة الامريكية التي فجرت عام 1989 في أجواء قرية لوكيربي الاسكتلندية وذهب ضحيتها 270 شخصا اذ تعني اغلاق ملف فانها تعني في الوقت نفسه فتح ملف آخر, والولايات المتحدة هي الجهة التي سوف تتولى فتح الملف الجديد. هناك دافعان يحركان واشنطن: قانوني وسياسي, قانونيا, يرى أقرباء الضحايا من الأسر الأمريكية في الحكم الصادر بادانة المقراحي حافزا جديدا في نضالهم القانوني للحصول على تعويضات مالية مناسبة. وهنا لابد أن الادارة الامريكية تجد نفسها ملزمة بدعم مطلب مواطنيها والدفاع عنه بكل الوسائل المتاحة لدولة عظمى. سياسياً, ترى الولايات المتحدة في ادانة المواطن الليبي ذريعة جاهزة للاستثمار السياسي ضد ليبيا القذافي.. وضد العقيد شخصيا لتصعيد حربها السياسية والاقتصادية والأمنية ضد نظام مصنف ضمن قائمة (الدول الراعية للارهاب), انها فرصة ثمينة لتصفية حسابات طويلة المدى. وسواء على الصعيد القانوني الصرف المتعلق بمطالبة التعويضات او الصعيد السياسي المتعلق برفع حرارة العداء الأمريكي ضد ليبيا ونظامها فان الحقيقة المفتاحية التي تمثل نقطة انطلاق للهجمة الامريكية على الصعيدين هي ان الشخص المدان في المحاكمة, عبدالباسط المقراحي, هو ضابط على مستوى رفيع في جهاز الاستخبارات الليبية الخارجية. مع ذلك.. هناك ثمة عقبة, فالعقيد القذافي لم يوافق على تسليم المواطنين الليبيين ليمثلا امام المحكمة الا بعد ان تلقى ضمانا مقدما بأن المحاكمة لن يسمح لها بحال من الأحوال بأن تكون محاكمة لأجهزة السلطة الليبية ومسئوليها بمن في ذلك العقيد نفسه.. وانما ينحصر الاطار القانوني للمحاكمة في شخصي المقراحي وفحيمة كمواطنين ليبيين بصفتهما الشخصية. والعقبة المشار اليها تتمثل في أن الضمانة التي اعطيت مقدما للحكومة الليبية كانت ثمرة وساطة رسمية بين ليبيا من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة اخرى قامت بها حكومتان صديقتان لهاتين الدولتين الغربيتين. لن تستطيع واشنطن اذن استغلال حكم المحكمة لخدمة اجندة عدائية تستهدف ادانة النظام الليبي كنظام حاكم انطلاقا من الادانة الصادرة ضد مسئول استخباراتي ليبي دون ان تسبب حرجا للحكومتين الصديقتين (احداهما عربية والثانية افريقية). لكن هل تسمح الولايات المتحدة فعلا بأن يقف هذا الحاجز في طريقها؟ ان المؤشرات الأولية تشير في اتجاه معاكس, فيوم صدور حكم المحكمة الاسكتلندية قال مسئولون امريكيون انهم سوف يواصلون (التحري في حادثة الطائرة). وكان وزير الخارجية الامريكية الجنرال كولين باول اكثر صراحة حين قال (هناك اشياء اخرى يجب ان تقوم بها الحكومة الليبية قبل ان ترفع العقوبات الامريكية المفروضة ضد ليبيا). وبالاضافة الى ذلك فان الكثيرين من اقرباء الضحايا الامريكيين اشاروا فور صدور الحكم باصبع الاتهام الى الحكومة الليبية. وقال احدهم: (لا أريد ان يكون القذافي خارج المصيدة). وربما تكون الحكومة الليبية على استعداد لدفع اموال الى اسر ضحايا حادثة الطائرة كي تخفف من العداء الامريكي ضدها. لكن لو فعلت الحكومة الليبية ذلك فانها تكون وكأنها اعتبرت نفسها علنا مسئولة عن الحادث.. واما عبدالباسط المقراحي لم يتصرف الا كموظف تلقى تعليمات من جهة ليبية حكومية عليا. ولننتظر لنرى.