المحبون يشعرون بالمحبين, ومن يعاني من عذاب الحب وهجر الحبيب لا يتذكر نفسه بقدر ما يتذكر غيره من المحبين وما جرى لهم, لأن معاناة الحبيب تعتبر جزءا من تجربة الحب, لذلك فإن للمعاناة في الحب لذة خاصة, لا يشعر بها إلا من أحب وجرب الهجر والبعاد, وحتى الجنون قد يرى فيه المحبون أمرا طبيعيا, وربما غير الطبيعي أن يبقى العاشق الولهان عاقلا, لأن الجنون في الحب يجعل المحب يرى محبوبه في صورة غير تلك التي يراها الناس من حوله, أما العقل أو التعقل في الحب فإنه يرفع حاجب تلك الرؤية الخاصة بالحبيب, فيرى الحبيب محبوبه مجرد شخص عادي لا فارق بينه وبين أي شخص آخر, لكن يبقى من عانى الحب حساسا تجاه تجارب الآخرين المشابهة, فنجده لا يتنصل من (جماعته) أو من من شابهوه في التجربة أبدا. أما من يعاني السياسة وتجاربها فإن مواقفه عكسية تماما, فنجد أن السياسي إذا نشأ في طبقة اجتماعية معينة ثم انتمى سياسيا إلى طبقة اجتماعية أخرى, فإنه يكون أقسى وأعنف في تعامله مع الطبقة التي نشأ فيها, واكثر التصاقا وتفانيا في خدمة مصالح الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها سياسيا. والتجارب في هذا المجال كثيرة ومعروفة, ولعل ابرز مثال على هذا تلك السياسية البريطانية النادرة (مارجريت تاتشر), أو المرأة الحديدية, تلك السيدة الفولاذية التي يعتبرها المحللون اكثر من قاد حزب المحافظين أمانة في تطبيق مبادئ ذلك الحزب, مع أنها نشأت في طبقة متوسطة الحال, فهي ابنة بقال بريطاني كان يعيش حياته بالكاد, وعانت هي في طفولتها لتخرج من تلك الطبقة الاجتماعية التي كانت تنتمي إليها بحثا عن طبقة اجتماعية أخرى توفر لها الرفاهية المفتقدة. انتمت مارجريت تاتشر إلى البرجوازية بالزواج, أي لم تكن عصامية حقيقية, حققت انتقالها إلى الطبقة الأعلى بالكفاح الفردي, بل كسبت الانتماء إلى البرجوازية بالزواج, تماما كما تتزوج البنت الفقيرة عن سبق إصرار وتعمد من ثري, لا حبا في شخصه أو بعد قصة حب عنيفة, ولكن لتهرب من الفقر والبؤس الذي كان عليها أن ترثه من أسرتها. عندما مارست مارجريت تاتشر السياسة في حزب المحافظين لم تكن تمارس انتماء أصيلا فيها, بل كانت تمارس انتماء كسبته بالزواج, لذلك كانت تحاول أن تثبت هذا الانتماء غير الأصيل بالتعصب لسياسة حزب طبقة زوجها. وعندما دانت لها الزعامة في حزب المحافظين كانت سياستها موجهة بالدرجة الأولى ضد الطبقات الدنيا والمتوسطة, أي موجهة ضد من كانت تنتمي إليهم وانسلخت عنهم, وكأن معاناتها في طفولتها وشبابها لم تخلق فيها إحساسا بالرغبة في خدمة هؤلاء الذين كتب عليهم أن يعانوا لا لشيء سوى انهم ولدوا في تلك الطبقة الاجتماعية دون أخرى. كانت سياسات تاتشر, وبشكل خاص الاقتصادية تخدم مصالح الأثرياء, ولا تقيم وزنا لمعاناة الفقراء, ووصل تعصبها لتخفيف العبء عن الأثرياء وتحميل الفقراء وزر فقرهم أنها أصدرت قانونها الشهير (ضريبة الرأس) تلك الضريبة التي يدفعها المليونير والمتسول على حد سواء, بل وبالتساوي, لا فارق في القيمة المادية بين من يملك القدرة على الدفع وبين من لا يملك تلك القدرة, بل وصل تعصبها في تطبيق ذلك القانون أنها فرضته حتى على العاطلين عن العمل, الذين لا يملكون سوى ما يحصلون عليه من إعانات حكومية لمواجهة تعاسة ظروفهم المادية إلى أن تحين لهم فرصة عمل تقيهم شر إعانة البطالة, وكأن القانون الهدف منه اقتطاع جزء من تلك الإعانة المالية القليلة التي يحصل عليها العاطل عن العمل لمواجهة محنته. لم يقتصر تعصب مارجريت تاتشر ضد طبقتها الاجتماعية السابقة ولصالح الطبقة الاجتماعية التي انتمت إليها بالزواج أولا وبالسياسة ثانيا في وطنها, بل امتد هذا التعصب ضد الطبقات الاجتماعية الدنيا إلى خارج بلادها, فوجدناها تتعصب لصالح دكتاتور التشيلي السابق الجنرال الدموي اوجستو بينوشيه, ودعمته بكل قواها في مواجهة ضحاياه من الطبقات الفقيرة في بلاده, وكأنها كانت تريد من خلال هذا الدعم أن تنتقم من فقراء التشيلي, أو فقراء العالم الثالث متمثلين في فقراء تشيلي, فهي ضد الفقراء في أي مكان من العالم على الرغم من انتمائها إليهم بالمولد. الأمر نفسه كان مطروحا في الولايات المتحدة الأمريكية بعد إعلان (بوش الابن) رئيسا رغم انف الأغلبية في عدد الأصوات التي حصل عليها منافسه (آل جور) الذي كان ضحية لرئيسه السابق, المتسبب في تردي شعبية نائبه بسبب مغامراته الطفولية غير المسئولة. كان فريق عمل بوش الابن خلال الانتخابات مكونا من مجموعة من اشد المتعصبين الجمهوريين ضد العناصر غير البيضاء في الولايات المتحدة بكل انتماءاتهم المالية والاقتصادية, لأن الحزب الجمهوري بالدرجة الأولى حزب البيض أحفاد الغزاة الأوروبيين, ولكن الغريب أن أشد المتحمسين لهذه السياسة المعادية للملونين كانت (ليندا تشابث) المرشحة لتولي حقيبة وزارة العمل وهي من أصول (هيسبانية) أي من أصول (أمريكية لاتينية), أي (ملونة) تماما مثل الملون الآخر (كولن باول). ولأنها ليست بيضاء مثل بوش وباقي فريقه فإنها كانت من أشد المطالبين بتطبيق سياسة ضرائبية ومالية معادية للملونين, الذين يشكلون غالبية الطبقة الفقيرة, التي لا تملك الدواء وليس من السهل عليها أن تصل إلى التعليم الخاص الباهظ التكاليف في الولايات المتحدة. ولأن أبويها من المهاجرين من أمريكا اللاتينية, فقد كانت ابنة المهاجرين المرشحة لتولي حقيبة العمل من أشد المطالبين بوضع قيود على الهجرة إلى الولايات المتحدة, بدلا من أن تشعر (ليندا تشابث) بمعاناة هؤلاء المهاجرين التي تعتبر أسرتها نموذجا لمعاناتهم, بل أنها كانت تستخدم في بيتها فتاة مهاجرة من مسقط رأس أبويها, وكانت تطبق السياسة التي كانت تود تطبيقها لو أنها وصلت إلى منصبها المرشحة له, على تلك الخادمة التي كانت في بيتها, وتسببت في عدم حصولها على منصبها الوزاري, كانت الخادمة تعمل في بيت (السياسية المثالية) بلا أي حقوق مدنية قانونية, لم تكن تعمل بموجب عقد عمل, وكانت تحصل على راتب أقل كثيرا من الراتب الذي يحدده القانون الأمريكي, ولم تكن تدفع عنها نصيبها في التأمينات الاجتماعية, وبالتالي لا حقوق لها في حالة المرض أو العجز (؟). في أوروبا, كان الشعب الإسباني يعتبر حتى وقت قريب مصدرا للعمالة المهاجرة الباحثة عن فرصة عمل تساعدها على إقامة حياة شبه إنسانية بعد العودة إلى الوطن, وكانت الهجرة الإسبانية بحثا عن الرزق لا تقتصر على أوروبا فقط, بل كانت الهجرة تقصد بلاد أمريكا اللاتينية لسهولة التخاطب, الجميع هناك يتحدثون لغة واحدة, أي كانت إسبانيا مصدرة للفقراء إلى دول أمريكا اللاتينية الثرية في ذلك الوقت, كالأرجنتين وفنزويلا والمكسيك والتشيلي. ازدادت الهجرة الإسبانية إلى أمريكا اللاتينية بشكل كبير بعد الحرب الأهلية, التي مزقتها ما بين جمهوريين هاربين من دكتاتورية فرانكو, وبين فقراء بسبب الأزمة الاقتصادية التي حلت بوطنهم بعد وصول الجنرال إلى السلطة على جثث أبناء وطنه. وصل إلى دول أمريكا اللاتينية بعد انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية عام 1939 ما يزيد على المليون مهاجر, وكان منهم جزء كبير يمثلون العقول المفكرة في إسبانيا الجمهورية, وفتحت أمريكا اللاتينية ذراعيها لهم, وأفسحت لهم مكانا يليق بهم. نجد أن شعراء مثل ليون فيليبي أو رفائيل ألبيرتي يتمتعان بمكانة خاصة في المكسيك والأرجنتين, ويرتفع نجم السينمائي الإسباني العالمي (لويس بونويل) في المكسيك, ومنها ينتقل إلى هوليود ليخرج أعظم أفلامه, وعمل بعض محاميهم في أماكن حساسة بين الطبقة السياسية لتلك البلاد, ومنهم المستشار السياسي الخاص بالرئيس التشيلي الدكتور سلفادور الليندي, الذي اغتاله الجنرال بينوتشيه في انقلاب عسكري خططت له المخابرات الأمريكية. أما غير المثقفين فقد وجدوا في دول كالأرجنتين والمكسيك والتشيلي وفنزويلا, بل وحتى في كوبا, مجالا خصبا لممارسة العمل والتجارة, وكونوا جاليات قوية لها مكانتها في تلك البلاد, ومن هؤلاء جد رئيس الوزراء الإسباني الحالي اليميني (خوسيه ماريا أزنار), الذي زار بيت جده عندما سنحت له الفرصة لزيارة العاصمة الكوبية العام الماضي معترفا بفضل كوبا على جده. لهذا السبب كان منتظرا أن يكون رئيس وزراء إسبانيا أكثر رحمة من غيره بالمهاجرين الباحثين عن فرصة للحياة في إسبانيا, لكن حدث العكس تماما, ما أن حصل خوسيه ماريا أزنار على الأغلبية المطلقة في برلمان بلاده, في الانتخابات التي جرت مع نهاية الصيف الماضي, حتى عكف على تغيير بنود (قانون الهجرة) الذي لم يمض على وضعه موضع التنفيذ سوى اشهر قليلة, وبموافقة جميع الأحزاب السياسية في إسبانيا بلا استثناء, بما فيها حزبه. التعديلات التي أدخلها رئيس الوزراء بمفرده في البرلمان وبمعارضة جميع الأحزاب الأخرى, تهدف إلى (سد جميع المنافذ أمام الراغبين في الهجرة إلى إسبانيا) بحثا عن فرصة للحياة. رئيس الوزراء خوسيه ماريا أزنار حفيد المهاجرين الإسبان إلى كوبا بحثا عن الرزق يسد أبواب الرزق أمام المهاجرين الغرباء الهاربين من الفقر في بلادهم بحثا عن لقمة تسد الرمق, والغريب أن معظم المهاجرين إلى إسبانيا يأتون من أمريكا اللاتينية التي كانت يوما ما مستقرا للمهاجرين الإسبان الهاربين من الفقر. نتائج تجارب المعاناة في الحب غيرها في السياسة, لذلك هناك من يقولون ان المحب يعزي حاله بمحاولة التخفيف عن الحبيب المغدور, لأن للمحب قلبا يميل إلى المعذبين مثله, لكن السياسي يزيد من معاناة من يطلب عونه, لأنه بلا قلب. وهناك من يقولون, ان المحب يعيش الماضي, فيحتمل بؤس الحاضر متعزيا بلذة عاشها في الماضي مع محبوبه, أما السياسي فإنه لا ينظر إلى الماضي أبدا, لذلك فإن قلبه يهرب دائما من الذين يذكرونه بماضيه. * كاتب مصري مقيم في أسبانيا