أليس عجيبا ان تستنهض اوروبا شعوبها, وتجبرهم على دفع ضريبة عرفت باسم (عشر صلاح الدين) لتحرير بيت المقدس, وأليس مستغربا ان يعرف العرب والمسلمون هذه الحقيقة, ويظلوا صامتين كمن لجمت افواههم, وشلت اياديهم, وتجمدت دماؤهم في عروقهم, وبيت المقدس, وفلسطين كلها من اكناف بيت المقدس, تتعرض واهلها للقتل والتدمير على يد الغزاة الجدد (الصهاينة) بوحشية تفوق الوصف, وباستهزاء قل نظيره بالشرعية الدولية, وبحقوق الانسان, وبمباركة من القوى الكبرى, وبصمت من المجتمع الدولي يندى له جبين الانسانية؟ والتعجب الذي نسوقه هنا, سيظل قائما, ما لم نلم بالأحداث التاريخية التي جعلت اوروبا في القرن الثاني عشر الميلادي, تفرض على شعوبها ضريبة (عشر صلاح الدين), فإذا ما وقفنا على هذه الاحداث, فإنه بالتأكيد سيتلاشى تعجبنا, ولكن, في الوقت نفسه سيحل محله غضب يجب التعجب, غضب يدفعنا الى ان نطلق صرخة مدوية اين نحن من هذا العشر والمسجد الاقصى, اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين, تستباح مقدساته, وتنهك حرماته. بل صرخة كتلك التي اطلقتها امرأة هاشمية كبر عليها الضيم والقسوة لما رأته من تقتيل المسلمين, وسمل عيونهم, وقطع انوفهم على يد الامبراطور البيزنطي تيوفيل الذي اغار على زبطرة مسقط رأس المعتصم, فصاحت: وا معتصماه, فأجابها المعتصم لبيك يا اماه, وبعزيمة من ينتصر لشعبه, سار المعتصم على رأس جيش لم يتجهزه خليفة قبله, فدك (عمورية) مسقط رأس تيوفيل, وأحالها خرابا يبابا ثأرا للمسلمين الذين نكل بهم, فهل من قائد في هذا الزمان ينتصر لصرخة (أم محمد الدرة) ولكل امهات الشهداء في فلسطين, فيصرخ بأعلى صوته: لبيك يا اماه, لبيك يا قدساه؟! كما صرخ المعتصم ومن بعده صلاح الدين؟ فما الاحداث التاريخية التي جعلت اوروبا تستنفر شعوبها, وتجيش جيوشها, وتفرض ضريبة (عشر صلاح الدين) لتحرير بيت المقدس؟ وممن يحررونها؟ وهل المقصود بضريبة العشر هذه (صلاح الدين الايوبي)؟ ولماذا؟ ان الاجابة عن هذه الاسئلة تكمن في التعرف على الحملات الصليبية على المشرق الاسلامي, من حيث دوافعها, واحداثها, ومصيرها. محطات تاريخية تعرض المشرق الاسلامي من (1096 ــ 1291م) ولسنا هنا بصدد الاسهاب في سرد تفاصيل احداثها, وانما نكتفي بالتركيز على محطات تاريخية ذات مغزى ومعنى. ففي القرن الحادي عشر الميلادي تهيأت لأوروبا عوامل عديدة, وظفتها في شن عدوانها على المشرق الاسلامي, ومن ابرز هذه العوامل: * هزيمة البيزنطيين على يد المسلمين السلاجقة في معركة ملاذكرد (1071م) مما حدا بالامبراطور البيزنطي (الكسيوس كومنين الاول) ان يتناسى عداءه مع الغرب الاوروبي والكنيسة الغربية, ويسنجد بهما حماية لبلاده من الخطر الاسلامي السلجوقي. * استغلال بابا روما استنجاد البيزنطيين بها لتحقيق اهدافه المتمثلة في الاستيلاء على بيت المقدس, ولتوحيد الكنيسة المسيحية التي انشقت عقب مجمع روما سنة 869م ــ الى كنيسة شرقية بزعامة بيزنطية, وكنيسة غربية بزعامة روما. * سعي المدن الايطالية التجارية للهيمنة على التجارة بين الشرق والغرب. * الهروب من الاحوال الاقتصادية والاجتماعية المنزوية, التي كانت تعاني منها اوروبا نتيجة ويلات حروب امراء الاقطاع وتعاظم ظاهرة الرق, وانتشار المجاعة, وفقدان الامن. ورغم كل الاسباب الوجيهة السابقة, الا ان السبب الرئيسي الذي مكن اوروبا من اخضاع الوطن العربي لسيطرتها آنذاك, هو حالة الضعف والتفكك الذي كان مشرقنا الاسلامي يعاني منه, فدولة السلاجقة التي اعادت للمسلمين هيبتهم بعد معركة ملاذ كرد, تحولت بعد موت ملكها (ملكشاه) سنة 1092م الى دويلات متناحرة, ومتحاربة فيما بينها, اما الدولة الفاطمية في مصر, فأصبحت اضعف من ان توفر الامن والاستتباب لرعاياها, بسبب الفتن الداخلية من جهة, والحروب الطاحنة مع السلاجقة من جهة اخرى, الى جانب عدائها مع الخلافة العباسية في بغداد. اما سلطان المسلمين في الاندلس, فكان آخذا بالأفول, فانقسمت البلاد الى دويلات متناحرة (عهد ملوك الطوائف) مما مهد الى سقوط الاندلس بيد الاسبان سنة 1492م, اما الخلافة العباسية, فقد بلغ بها الضعف بحيث اكتفت في احسن الاحوال بالسيطرة الروحية ليس على كل العالم الاسلامي, وانما على بعض اجزائه. ففي 26 نوفمبر 1095, عقد البابا اجتماعا في كليرمونت, وألقى خطابه الشهير الذي اعلن منه بدء الحروب الصليبية, وأن كل من يشترك فيها تغفر له ذنوبه ويدخل في حماية الكنيسة ومما جاء فيه. (بأمر الله تتوقف العمليات الحربية بين المسيحيين في اوروبا, ويتجه هؤلاء بأسلحتهم الى هزيمة الكفرة (يقصد المسلمين)... وصاح البابا يخاطب الجماهير: لقد كنتم تحاولون من غير جدوى اثارة نيران الحروب والفتن فيما بينكم, فالآن اذهبوا وازعجوا البرابرة, وخلصوا البلاد المقدسة من ايدي الكفار, وامتلكوها لأنفسكم فإنها كما تقول التوراة تفيض لبنا وعسلا). هكذا استغل البابا جهل مسيحيي اوروبا بالغايات السيئة للبابا وملوك اوروبا وأمرائها, فانطلقت جيوش العدوان في سنة 1096م نحو المشرق الاسلامي, ولم تستطع القوى الاسلامية التي كانت مشغولة بالاقتتال فيما بينها ان تصدها, فسقط بيت المقدس بيد الصلبيين في 15 يوليو 1099, وأنشأ الصليبيون امارات صليبية في الرها, وانطاكية, وطرابلس, وبيت المقدس التي تحولت الى مملكة امتدت حدودها من بيروت شمالا, الى العريش وأيلة جنوبا. بعد سقوط بيت المقدس, حصلت مجزرة أليمة وحشية, اقل ما قيل فيها انه يندى لها جبين الدهر, وإنها مناقضة لتعاليم السيد المسيح الذي زعموا انهم انما جاءوا لنصرته, ويصف غوستاف لوبون هذه المجزرة بقوله: (لقد افرط قومنا في سفك الدماء.... وكانت جثث القتلى تسبح في محيط من الدماء, ولم يكتف قومنا الصليبيون الاتقياء بضروب العسف والتدمير والتنكيل التي اتبعوها, بل اجمعوا على ابادة جميع سكان القدس الذين كان عددهم ستين ألفا فأفنوهم عن آخرهم في ثمانية ايام ولم يستثنوا منهم لا طفلا ولا شيخا). تاريخ معاد مااشبه البارحة باليوم, فلو كان المسلمون جبهة واحدة متحدة, فهل استطاع الصليبيون ان يجوسوا ديار الاسلام؟ وهل استطاع اليهود في سنة 1948م ان يقيموا كيانهم العدواني العنصري في فلسطين؟ وهل استطاع هذا الكيان ان يتوسع بعدوانه على الامة العربية في سنة 1967م, ويحتل كامل فلسطين, وسيناء, والجولان, وجنوبي لبنان فيما بعد؟ ان ما يرتكبه الكيان الصهيوني من مجازر في القدس وبقية الاراضي الفلسطينية المحتلة ضد الشعب الفلسطيني الاعزل, يفوق بوحشيته وبربريته ما قام به الصليبيون, ومما يؤسف له, ان العالم يشاهد هذه المجازر على مدار الساعة عبر الفضائيات بدم بارد, تماما كما الجندي الاسرائيلي الذي يقتل الطفل الفلسطيني بدم بارد, فلماذا هذا الصمت؟ هل نحن امام حرب صليبية جديدة بغطاء صهيوني؟ ولكن أليس من المستغرب ان نظل نحن العرب والمسلمين نشاهد بدم بارد ما يجري في فلسطين دون ان نحرك ساكنا, اللهم الا من بيانات الشجب والاستنكار؟! هل غيرنا دماءنا, ام انها اصبحت باردة الى هذا الحد؟! أم ماذا؟ ولماذا؟ ليت الامر بقي عند حد الاحتلال الصليبي لبلادنا, وليت الامر وقف عند حد الاقتتال بين الامارات الاسلامية, انما الادهى والأسوأ لجوء بعض الدويلات الاسلامية في بلاد الشام ومصر الى الاستنجاد بالصليبيين لنصرة بعضهم على بعض, وتحول هذا الاستنجاد الى توقيع معاهدات تحالف مع الصليبيين, ففي سنة 1123م تحالفت امارة دمشق مع مملكة بيت المقدس الصليبية ضد امارة الموصل, كما تحالف الملك الكامل في مصر مع الصليبيين تخوفا من منافسيه في الشام (سنة 1228م). فما اشبه البارحة باليوم, فالمؤرخون يقولون: ان التاريخ لا يعيد نفسه, ولكن يبدو ان التاريخ يعيد نفسه, ولكن بزمان غير ذاك الزمان, وبأحداث غير تلك الاحداث, وبرجال غير اولئك الرجال. ظلت الامارات الصليبية الاربع قادرة على البقاء, ولكنه بقاء هش, لأنه مرهون باستمرار الدعم المادي من ملوك اوروبا وامرائها ومرهون ببقاء العالم الاسلامي مجزأ وانشغال دويلاته بالحروب فيما بينها, الا ان مصير الامارات الصليبية كان محكوما بالهلاك والزوال في حال تناسي الدويلات الاسلامية خلافاتها, والوقوف صفا واحدا في وجه العدوان الصليبي, حينئذ لن تستطيع اوروبا بكل ما تملكه من قوة وعتاد ان تحمي اماراتها الصليبية, لانها امارات قامت بقوة الاحتلال على ارض غير ارضها, وتحكم شعبا غير شعبها. بداية الصحوة في ظل هذه الظروف من الهيمنة الصليبية, والاحباط الذي عاشته الامة الاسلامية, برز آل زنكي ليأخذوا على عاتقهم توحيد الجبهة الاسلامية, ومواجهة الصليبيين, فمنذ ان تسلم عماد الدين زنكي حكم الموصل في سنة 1127م ادرك ان القضاء على الصليبيين لا يمكن ان يتحقق الا بنبذ الخلافات بين الحكام المسلمين, وقيام جبهة اسلامية موحدة, قأقام عماد الدين زنكي امارة كبيرة متحدة, شملت الموصل, وحلب, وحران, ونصيبين. وبفضل هذه القوة الاسلامية الموحدة, بدأت الامارات الصليبية تنهار الواحدة تلو الاخرى, حيث نجح عماد الدين زنكي في القضاء على امارة الصليبيين في الرها سنة 1144م وتابع ابنه نور الدين محمود توحيد الجبهة الاسلامية, فضم دمشق الى دولته الموحدة في سنة 1154م, وبذلك خطا نور الدين محمود خطوة مهمة نحو تحرير بيت المقدس, اما الخطوة التالية, فهي ان من يستولي على مصر يحدد مصير مملكة بيت المقدس الصليبية فوجه نور الدين محمود حملة الى مصر بقيادة شيركوه وابن اخيه صلاح الدين الايوبي, وقال نور الدين محمود موجها كلامه الى شيركوه يحثه على السير الى مصر: (لأننا اذا اهملنا امرها ملكها الفرنج, ولا يبقى لنا معهم مقام بالشام ولا غيره), ونجح نور الدين محمود في ضم مصر الى دولته, وولي فيما بعد حكمها صلاح الدين الايوبي, الذي نجح في اسقاط الخلافة الفاطمية في مصر في سنة 1171م, وبذلك ازدادت دولة نور الدين محمود قوة ومنعة. الا ان المسلمين لم ينعموا طويلا بهذه الدولة الموحدة, لأن وفاة نور الدين محمود في سنة 1174م, اغرت ابناءه بتقاسم الحكم, فتفككت عرى الدولة الموحدة, الى دويلات في كل من الموصل, وحلب, ودمشق. الا ان صلاح الدين الايوبي, تمكن من القضاء على الدويلات الانفصالية, فحقق بذلك وحدة مصر وسوريا تحت حكمه, مما مكنه من الانتصار الحاسم على الصليبيين في معركة حطين في مايو 1187م. كما تم له النصر المبين في تحريره لبيت المقدس في 2 اكتوبر 1187م. ان الانتصار الذي حققه صلاح الدين الايوبي في حطين, وتحريره بيت المقدس, جعل اوروبا تستشعر خطر انهيار مشروعها الاستعماري الاستيطاني في قلب الوطن العربي. فعزمت على اعادة احتلالها لبيت المقدس, ولتحقيق هذه الغاية, نحى ملوك اوروبا خلافاتهم جانبا, وقرروا في سنة 1189م تسيير حملة صليبية لهذه الغاية, ففرضوا على شعوبهم ضريبة عرفت باسم (عشر صلاح الدين) على كل من لم يخف للالتحاق في هذه الحملة (لتحرير بيت المقدس من الكفار ــ اي المسلمين ـ) وغدت هذه الضريبة اساسا للعمليات الحربية التي شنتها اوروبا تحت شعار الحروب الصليبية. ورغم ما وفرته اوروبا لهذه الحملات من مال وعتاد, واستغلال للمشاعر الدينية, الا انها باءت بالفشل في تحقيق اهدافها, لأن الجيوش الاسلامية واجهت هذه الحملة موحدة بقيادة صلاح الدين الايوبي, ومسلحة بإيمان لا يتزعزع بالنصر او الشهادة, دفاعا عن بيت المقدس. ولكن وفاة صلاح الدين الايوبي في سنة 1193م, اضعفت مركز المسلمين, وتفرقوا الى دويلات متناحرة, ولم يقف الامر عند هذا الحد, بل تسابق بعض حكام هذه الدويلات الى عقد معاهدة صلح مع الصليبيين, ومن اسوأ هذه المعاهدات في مصر سنة 1228م, والتي بموجبها تم تسليم بيت المقدس الى الصليبيين بدون قتال, وظل بيت المقدس تحت الاحتلال الصليبي مدة ستة عشر عاما, حتى حررها الملك الصالح نجم الدين ايوب في عام 1244م. قضى المماليك على حكم الايوبيين في مصر سنة 1250م, ولكنهم قدموا خدمة جليلة للعالم الاسلامي, بانتصارهم على المغول في معركة عين جالوت 1260م واسترجاعهم وحدة مصر وسوريا, وتفرغهم للقضاء على الصليبيين, فما ان هلت سنة 1291م حتى تم لهم تحرير المشرق الاسلامي من الاحتلال الصليبي, وبذلك تحررت الارض, وانهارت دويلات الاحتلال الصليبي التي دامت ما يقارب قرنين من الزمان, ولم يحل دون انهيارها كل ما قدمته اوروبا من دعم ومساندة مادية وعسكرية وروحية. أليس مثيرا للاستغراب مبادرة اوروبا بفرض ضريبة عشر صلاح الدين لاحتلال بيت المقدس, بينما نحن اصحابها الشرعيون لم نقدم بعد على تلك الخطوة التي خطتها اوروبا؟ ألا تستحق انتفاضة الاقصى المباركة منا ضريبة عشر صلاح الدين لتحرير بيت المقدس من الاحتلال الصهيوني؟ * رئيس شعبة مناهج التاريخ ــ وزارة التربية