ما اكثر الشعر القديم الذي حفظته على امتداد سنوات العمر, خصوصا منذ ان بدأت أتذوق الشعر وأنا طالب صغير السن, وأخذت احفظه تلقائيا مع المرحلة الثانوية. وكانت ذاكرتي في سنوات الشباب، قابلة للحفظ على نحو افتقدته بعد ذلك, فقد كنت احفظ قصيدة كاملة على الفور بعد استماعي اليها, ولم أكن انساها بعد ذلك. وكان الباعث على الحفظ دائما, هو جودة القصيدة وتميزها الفني ورقيها الادبي وقدرتها على الاثارة الكاملة لمشاعري. وإذا لم تتوفر هذه الشروط ما كانت القصيدة التي اسمعها او التي اقرأها تبقى في ذاكرتي. وأذكر ان أقراني في المرحلة الثانوية ثم المرحلة الجامعية كانوا يحسدونني على هذه القدرة. وكنت انا شخصيا أراها علامة على محبتي العميقة للشعر ورغبتي في استبقاء نماذجه الرائعة بين جوانحي, او بين تلافيف ذاكرتي. وقد ساعدتني هذه الموهبة كثيرا, خلال سنوات الدراسة, فقد كان الاساتذة, خصوصا اساتذة اللغة العربية, يعجبون بطريقتي في إلقاء ما احفظه, وكان جزائي على حسن الانشاد بعض درجات زائدة, فيما كان يسمى اعمال السنة او في الامتحانات الشفاهية, وعندما دخلت قسم اللغة العربية كانت هذه القدرة خير معين لي في اجابة الاسئلة المتعلقة بعصور الادب العربي وشعرائه. وكان استاذي شوقي ضيف ــ مد الله في عمره ووهبه الصحة والعافية ــ لا يعطي درجة الامتياز, او الدرجة النهائية في مواد تاريخ الادب العربي الا لمن يقرأ مراجع خارجية اكثر من غيره, ومن يحفظ اكبر قدر من الشعر العربي القديم. ولذلك كان على من يريدون الحصول على درجة الامتياز من امثالي ان يتنافسوا على قراءة المراجع, ويتسابقوا في اقتناء دواوين الشعر القديم والحفظ منها. وكانت قدرتي على الحفظ تمكنني من التفوق عليهم, فقد كنت ألتهم كل المراجع التي اجدها امامي وفي الوقت نفسه, كنت نهما في قراءاتي للشعر القديم, وأحفظ كل ما استطيع. ولكن عبث الشباب وبعض حيله الماكرة كانت تتدخل احيانا لتدعم هذه القدرة على الحفظ, وأذكر في هذا المجال انني كنت, في احيان نادرة, اكتب الشطر الاول من البيت ويفوتني الشطر الثاني, فأترك مكانه خاليا, وأمضي مع بقية الابيات حتى اكمل الاجابة عن السؤال المطلوب, وبعد ذلك اعود الى موضع الشطر الخالي لكي استرجعه, فإذا لم افلح كنت اصوغ بنفسي ما يكمل البيت بشطر من تأليفي على الوزن نفسه والقافية نفسها بالطبع. وقد فعلت ذلك مرتين, في سنتين متعاقبتين. وفي كل مرة, كان استاذي شوقي ضيف يثني على قدرتي للحفظ, ويمنحني أعلى الدرجات, وكانت الاشطر المنتحلة تمر عليه, ويحسبها بعض الروايات النادرة, ويقبلها بوصفها رواية من الروايات. ولم اكن اجرؤ ان اخبر استاذي بهذا العمل حتى لا اخيب رجاءه في تلميذه الذي كان يعده نجيبا. ولكني بعد التخرج, وتعييني معيدا في الجامعة, اخبرته بما كنت امارسه من (شقاوة) الشباب, فظل يقهقه بالضحك, ويخبرني باسما انه كان يحسب الامر رواية لا يعرفها. وبسبب هذه القدرة على الحفظ كان اساتذتي يسألونني ان ألقي ما احفظ اثناء الدروس, وكنت اكمل الابيات التي يبدأونها. وبالطبع كانت الذاكرة تنغلق تماما في حالة الشعر الرديء, ولذلك كانت تمتلأ بقصائد كثيرة لشعراء احبهم, ولا تستبقي بيتا واحدا من الشعراء الذين لم اشعر ازاءهم بالحب, حتى لو كان مؤرخو الادب ونقاده يعدون هؤلاء الشعراء كبارا. وكان من الطبيعي, بحكم الشباب وعواطفه المتقدة, ان يكون مخزوني من شعر الغزل العذري كبيرا الى ابعد حد, وكانت ذاكرتي تتماجن احيانا فتحفظ الشعر الماجن, او غير العفيف, وهو الشعر الذي كنا نتبارى في انشاده في جلسات سهرنا التي ما كانت تسمح لاحدى الزميلات بالانضمام اليها, وأذكر في هذه الفترة انني قرأت شعر ابي العتاهية, وأغلبه في الزهد, فلم احبه على الاطلاق ونفرت منه, بينما حفظت الكثير الكثير من قصائد ابي نواس والمتنبي, وقبل ذلك بشار بن برد, وقبله شعراء الغزل الاموي وغير شاعر من العصر الجاهلي والمفارقة التي اذكرها انني قرأت شعر مسلم بن الوليد فلم احفظ منه شيئا, شأنه في ذلك شأن شعر العباس بن الاحنف, والامر نفسه حدث لي في شعر ابن المعتز الذي لم تستبق ذاكرتي منه سوى تشبيهاته التي عدها علماء البلاغة نماذج للتشبيه المستطر, مثل بيته الشهير: انظر اليه كزورق من فضة قد اثقلته حمولة من عنبر ويطول لي الكلام لو احصيت الشعراء الذين لم استطع حفظ شعرهم بعد ذلك, خصوصا في فترات الانحدار التي شهدت شعراء من مثل صردر او الخبزارزي او الجزار او الخشاب او غيرهم من الشعراء المتأخرين الذين هبطوا بالشعر الى الدرجة التي فقد فيها روحه القديمة المتوثبة. وكنت اعلم, ولا أزال, ان أبا العلاء هو آخر الشعراء الكبار في الشعر العربي القديم, وأن القمة التي وصل اليها لم يصل اليها احد بعده, وأن الشعر العربي لم يعرف بعد وفاته شاعرا عظيما. يمكن للمصري ان يتعصب للبهاء زهير, ويمكن للشامي ان يتعصب لشاعر مماثل, لكن لم يوجد هنا في مصر, ولا هناك في الشام, من يصل الى قامة أبي العلاء. ولذلك كانت محنتي كبيرة في السنوات التي عرفت بقرون الضعف الشعري. فلم اكن احفظ لشعراء هذه القرون, وما كانت ذاكرتي تحتمل مثل ذائقتي العبث اللغوي الذي ينتهي الى أبيات من مثل: طرقت الباب حتى كل متني فلما كل متني كلمتني وكم كنت اتحايل على ذاكرتي ان تحفظ على الاقل بعض الابيات التي لابد من الاستشهاد بها, لكن ذاكرتي كانت ترفض الانصياع لطلبي وتخونني, كأنها تعاقبني على قراءة مثل هذا الشعر الردىء الذي كنت مضطرا لقراءته لاستكمال المقررات الدراسية. وكانت فرحتي كبيرة عندما وصلت الى السنة النهائية حيث الشعر الحديث, فقرأت البارودي وحفظت من قصائده اقربها الى حياته وألصقها بوجدانه. خصوصا القصائد التي كتبها في المنفى, او القصيدة التي كتبها في رثاء زوجته حين كان في المنفى. وكان محفوظي من احمد شوقي اكثر من محفوظي من البارودي او حافظ ابراهيم, فشوقي اكثرهم شاعرية في تقديري, ولا يزال رأيي في شعره ايجابيا, خصوصا في روائعه التاريخية والوصفية والقليل الذي ترك لوجدانه فيه العنان. ولم استطع قط ان اتقبل شعر العقاد وجدانيا, او احفظ منه الكثير. نعم حفظت الرثاء الذي كتبه في مي زيادة, فقد كان رثاء عاشق وامق لامرأة فقدها فحزن عليها حزنا عميقا صادقا. وبالطبع فضلت قصائد ناجي وعلي محمود طه على شعر العقاد الذي لم يخل من تعقيد في ناظري في تلك السنوات البعيدة. وقرأت محمود حسن اسماعيل على مضض. ولم تستبق الذاكرة منه الا اقل القليل. ووجدت براحي وراحتي مع الشعر المعاصر الذي دخلت اليه من خلال شعر صلاح عبدالصبور الذي فتنني وقادني الى غيره من شعراء الحداثة العربية. وأذكر انني في سنوات الدراسة لم اكن اترك امسية شعرية, وكنت اجلس صامتا خاشعا استمع الى الشعر الممتاز, وتستوعب ذاكرتي القصائد الجميلة على الفور كأنها الارض العطشى الى الماء, وينقلب خشوعي الى نفور واضح وصمتي الى شغب كلامي حين اسمع القصائد الرديئة. ومن هذه الامسيات تعلمت تدريجيا اسرار الالقاء, وعرفت الفارق بين الالقاء الهادىء العقلاني الذي كان يقوم به صلاح عبدالصبور في حرصه على مخاطبة القارىء ووجدانه, والالقاء الجهير الذي لا يخلو من تطاوس, وهو الالقاء الذي كان يتميز به احمد حجازي في تلك السنوات البعيدة. وما زالت ذاكرتي تحفظ الكثير من شعر صلاح عبدالصبور في (مأساة الحلاج) وكان قد ألقى ما يقرب من نصف المسرحية في امسية من امسيات الجمعية الادبية المصرية. وكان حاضرا في تلك الامسية بهاء طاهر الذي كان يتولى اخراج المسرحية للبرنامج الثاني, ومعه حشد كبير من النقاد والشعراء: محمد النويهي وشكري عياد وعبدالفتاح الديدي وغيرهم من الذين توفاهم الله, الى جانب فاروق خورشيد وفاروق شوشة وحسين نصار وعشرات غيرهم من الذين لا يزالون احياء. وكم كان القاء صلاح عبدالصبور مؤثرا في تلك الامسية التي جلست فيها استمع الى صلاح عبدالصبور الذي سرعان ما تحول الى حلاج جديد يحكي مأساته التي تبدأ من طفولته. وما زلت الى اليوم اردد بيني وبين نفسي مطلع المونولوج الطويل: أنا رجل من غمار الموالي فقير الارومة والمنبت فلا حسبي ينتمي للسماء ولا رفعتني لها ثروتي ولدت كآلاف من يولدون بآلاف أيام هذا الوجود لأن فقيرا بذات مساء سعى نحو حضن فقيرة