شهد العالم تحولات كانت ذات اثر في انطلاقة جديدة لأوروبا باتجاه منطقة حوض البحر الابيض المتوسط. ففي ضوء معطيات ومستجدات ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي, وانتهاء الحرب الباردة بين القوتين العظيمتين, وظهور بوادر رؤية امريكية جديدة ترى في اوروبا منافسا محتملا لمصالحها, وخاصة في منطقة الشرق الاوسط, اضافة لعوامل اوروبية داخلية واقتصادية وسياسية مستجدة مثل عودة الديجوليين الى سدة الرئاسة في فرنسا والسير خطوات متقدمة على طريق الوحدة النقدية التي تم انجازها مع مطلع عام 1999, كذلك عوامل خارجية ابرزها واقع التكتلات العالمية الجديد... الخ, في ضوء هذه المعطيات وجدت اوروبا نفسها في حاجة متنامية لتحرك جديد في منطقة حوض البحر الابيض المتوسط تمثل في اعداد مشروعها المتوسطي الهادف لاقامة شراكة اوروبية متوسطية. فقد وجدت اوروبا نفسها طليقة بعد الانتهاء من الحرب الباردة وادركت ان تعزيز وجودها في المنطقة لن يكون الا بالاستناد الى غياب الراعي الروسي غير الفاعل في عملية السلام, التي طرحها الامريكيون لحل مسألة الصراع في المنطقة, المدخل الى مرحلة ما بعد السلام.. مرحلة الاستثمارات الضخمة والتنمية, خاصة وأنهم ادركوا انهم لم يعودوا في التصور الامريكي الراهن حلفاء كما كانوا بالامس بل منافسين. وأدركت الدول الاوروبية المتوسطية الفاعلة (فرنسا ــ ايطاليا ــ اسبانيا) انه يمكن لها ان تسد الفراغ الذي تركه غياب الاتحاد السوفييتي بايجاد حليف سياسي واقتصادي لها على الشطر الجنوبي من حوض المتوسط حيث الاسواق والعملات وما تحتاجه مع الجانب الذي تود التعاون معه, هذا اضافة الى ضرورات ومتطلبات ضبط حركة العمالة والافراد, خاصة وأن الجماعة الاوروبية كانت قد بدأت تتصرف نتيجة دوافع كامنة في الرغبة بالاستقلال عن القرار الامريكي الذي كان قد سبقها الى طرح مشروعه الاقتصادي في المنطقة بما سمي بـ (الشرق اوسطية) لتتكامل هيمنته الاقتصادية مع هيمنته السياسية. كل هذا عاد بأوروبا للحديث مجددا عن اعتبارات التاريخ والجغرافيا والتبادل الحضاري مع الدول المتوسطية عبر مسمى جديد هو (الشراكة) والذي عبرت عنه في مؤتمر برشلونة الذي شاركت فيه الدول المتوسطية والذي وضع الاطار لفكرة الشراكة المتوسطية والهدف منها تأسيس قوة فاعلة في العلاقات الدولية تنافس القوى الاقتصادية الجديدة, اضافة الى عوامل اخرى تتعلق بالرغبة الاوروبية في الانعتاق من الهيمنة الامريكية ومحاولة ان يكون لها قرارها المستقل, وذاتها التي تعبر فيها عن حقيقتها كقوة سياسية واقتصادية يجب ان يكون لها دورها على المسرح العالمي. كما ان الخوف الذي ابدته دول حوض البحر الابيض المتوسط من تنامي النزاعات العرقية داخل الحوض, وتضارب مصالح الدول الكبرى على الاسواق المتوسطية, وأخيرا افصاح الولايات المتحدة عقب انتهاء حرب الخليج عن نيتها في مواصلة التزاماتها الامنية في الحوض, اعطت هذه التحديات الامنية الجديدة الدول الاوروبية المتوسطية, خاصة منها فرنسا, اسبانيا وايطاليا, شعورا بأن اثار الاستراتيجية الامنية الجديدة للولايات المتحدة داخل الحوض, التي تستند اساسا على مفهومها الاستراتيجي الجديد الذي افصحت عنه في لقاء حلف شمالي الاطلسي في روما 1991, ستطال الى المساس بمصالحها الامنية والاستراتيجية في داخل الحوض, لأن النظرة الامريكية للأمن المتوسطي في رأي الدول الاوروبية المتوسطية الثلاث, هي نظرة تكتيكية تستهدف ابعاد هذه الدول من اشراكها في اية عملية سلمية داخل الحوض كحل اي نزاع اقليمي او ترتيبات عسكرية قد تلجأ اليها هذه الدول دون موافقة الولايات المتحدة. الا ان هذه الدول الثلاث رأت انه بالامكان تجسيد طرح مغاير للطرح الامريكي يقوم اساسا على فكرة الشبكة الامنية المتوسطية الموحدة المستقلة عن الشبكة, التي تسعى الولايات المتحدة الامريكية الى ان تكون تحت ادارتها المباشرة وبالسماح باشراك بقية الدول التي يضمها الحوض, لأن هناك ملامح يمكن ان توصل الى هذه الشبكة, مثل الاحلاف السياسية والاقتصادية التي بدأ يجري البناء لها, ويمكن ان نتلمس بدايات لمسألة تبلور التعاون والشراكة الاوروبية المتوسطية بعد التحولات التي مر بها النظام الدولي مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات والتي ادت الى انتهاء نظام القطبية الثنائية, فمنذ تلك الفترة برز توجه عام لاعادة صياغة نسق العلاقات الدولية عبر عنه فيما سمي بالنظام العالمي الجديد الذي استند جانب منه على التصورات التي طرحت من جانب دول اوروبا الغربي تجاه المناطق التي توجد مصالح اساسية بها, وشكل ذلك في مجموعه ما اصبح يعرف بمرحلة ما بعد الحرب الباردة.. وفي هذا السياق كانت دول الاتحاد الاوروبي قد بدأت بعملية واسعة لاعادة تقييم سياساتها الخارجية مع دول الجوار الملاصقة المؤثرة فيها داخل القارة الاوروبية وخارجها, خاصة مع الدول المطلة على شرق وجنوب المتوسط. وقد اعطى مجيء الديجوليين الى السلطة في فرنسا دفعا جديدا للحماس الاوروبي, ليس في سعيها الى دور سياسي في عملية السلام في الشرق الاوسط فحسب, بل في سعيها المتزايد للتحرر من القبضة الامريكية, والاستقلال بقرار اوروبي لا يشارك الامريكيون في صناعته كالعادة. وتلا ذلك اكثر من حدث اكد ان الولايات المتحدة وأوروبا قد وضعا اقدامهما كاملة في عتبة التنافس الجاد والعلني حول فاعلية اوروبا ومقدرتها السياسية والاقتصادية في رسم مستقبل المنطقة, التي تطمح اليها وعلى العكس من ذلك ترفض الولايات المتحدة الامريكية في ان تتخذ الدول الاوروبية اية مبادرات ترى انها تتعارض مع مصالحها في المنطقة. مثلا عارضت الولايات المتحدة الامريكية مشروع القرار الاوروبي بإدانة سياسة الاستيطان الاسرائيلية في الاراضي العربية المحتلة والذي كان قد تقدم به الاتحاد الاوروبي الى مجلس الامن في شهر (مارس) 1977م, اضافة الى الخلافات الناشئة حول القيادة الجنوبية لحلف شمال الاطلسي والتي تريدها اوروبا قيادة اوروبية, بينما تريد الولايات المتحدة استبقاءها قيادة امريكية. وانطلاقا من ان الشراكة والتعاون بين اي وحدات سياسية او تكتلات اقليمية سياسية او جغرافية, لابد من ان يكون محددا بثلاثة ابعاد اقتصادية وسياسية وحضارية فإن الطرح الجديد لفكرة الشراكة والتعاون المتوسطي استند الى التعاون الاقتصادي كمحور للعلاقات التي يمكن تعزيزها في منطقة المتوسط. فالجماعة الاوروبية بحاجة الى قيام تنسيق بين الدول العربية المتوسطية على مستوى التخطيط الاقتصادي لأن النجاح بتطوير العلاقات الاقتصادية التعاونية يرتبط باستقرار المنطقة. كما ان نجاح الجماعة الاوروبية في مشروعها للشراكة مع دول الحوض, سيصعب من مهمة الولايات المتحدة واحتواء دول الجماعة الاوروبية المتوسطية. وانطلاقا من معارضة الدول المتوسطية الفاعلة, فرنسا, اسبانيا وإيطاليا للنظرة الامريكية للأمن المتوسطي, لجأت الدول الثلاث الى مبادرات جديدة تعطيها مفهومها للامن في حوض البحر الابيض المتوسط, هذه المبادرات تتمحور في ثلاث محاور, هي: دعم التعاون الاوروبي ــ المغاربي, إنشاء جهاز متوسطي امني مشترك, إنشاء نظام اقتصادي موحد. الا ان هذه المبادرات تلقي معارضة امريكية عبر عنها العديد من المسئولين الامريكيين كان اولهم الرئيس السابق بيل كلينتون الذي قال: ان الولايات المتحدة الامريكية لن تسمح (لحلفائها الرئيسيين) في ان ينافسوها في المناطق التي ترى امريكا انها تتبع نقوذها المباشر لذلك اتخذت واشنطن مبادرات تجاه دول المنطقة عبر ما سمي بالمشروع الشرق اوسطي الذي يهدف الى ربط منطقة الشرق الاوسط ودول المغرب العربي في شبكة من الترابطات الاقتصادية ولن يكون لأوروبا اي دور فيها وهذا ما يفسر لماذا غيبت امريكا دول الاتحاد الاوروبي في عملية السلام ولم تسمح لها بأي دور فاعل ولو كان دورا ثانويا بل اكثر من ذلك ترغب الولايات المتحدة الامريكية في الدخول في شراكة امنية مع دول المغرب العربي كالجزائر والمغرب وذلك حتى لا تجد فرنسا اي مكان لها في هذه المنطقة التي تعتبرها منطقة نفوذ تقليدية لها, ومع ان التسابق بين الولايات المتحدة الامريكية وأوروبا غير ظاهر للعلن الا ان الوقائع والمؤشرات والتصريحات تؤكد جميعها ان الخلافات مرشحة للتصعيد في المستقبل خاصة وأن التسابق على مناطق النفوذ على اشده بين الكتلتين ويدخل ذلك في اطار توزيع الادوار في الخريطة الدولية الجديدة. باحث جزائري