البيئة بين ضرورة الاستدامة.. وعاقبة الندامة، بقلم: محمد الخولي *

الاستدامة. وقد بدأ استخدام التعبير المذكور مع مقتبل تسعينيات القرن الماضي ليصدق بالذات على عمليات التنمية التي تعتمد على نفسها وتعّول على امكاناتها المتولدة من ذاتها وتستخدم موارد، أو مصادر أو مدخلات بصورة لا تفضي الى استهلاك الموارد أو انضاب المصادر أو إفناء المدخلات.. وإنما هو الاستخدام المتعقل, المقتصد الرشيد لامكانات الطبيعة ومن ثم وضعها في الموضع الصحيح الذي يكفل تعظيم العائد الناجم عنها. ورغم أن تعبير الاستدامة نابع أصلا من دائرة الترجمة العربية بالأمانة العامة للأمم المتحدة في نيويورك (صكّه مترجم زميل وقدير يجمع في تخصصه بين اللغتين الفرنسية والعربية فضلا عن اجادته للأسبانية والانجليزية بوصفهما لغتي عمل) إلا أن التعبير ما برح يطرق بعض أبواب الاستخدام دون أن يحظى شأن أي مصطلح مستجد بقبول اجماعي على مستوى الوطن العربي الكبير في مصر على سبيل المثال يستخدمون مصطلح التنمية (المستدامة) في دوائر وزارة الخارجية, ولكنهم في دوائر اعلامية واقتصادية أخرى يستخدمون تعبير التنمية (المتواصلة) وأحيانا تعبير التنمية (الموصولة) وبصرف النظر عن تفضيل هذا المصطلح أو ذاك, فنحن نذهب اجتهادا من جانبنا الى أن تعابير المتواصل أو الموصول تفيد الاستمرارية وحسب, ومن ثم فهي تقتصر عما قد ينصرف اليه تعبير الاستدامة الذي يفيد الاستمرار فيما يتعدى ذلك الى حيث الاشارة الى عدم اهتلاك أو استنفاد الموارد الطبيعية بالذات والى ترشيد استخدامها بما يكفل امكانات تجددها لصالح المجتمعات والأفراد والحضارة البشرية بوجه عام. ويبقى من قبل ومن بعد أن (الاستدامة) أصبحت بمثابة الدعوة الرئيسية أو الدعوة ــ المفتاح كما قد نسميها التي أصبحت تتبناها المجاميع الدولية الكبرى المعنية بظاهرة العولمة ومن ثم بالتطورات الجذرية المذهلة في بعض الأحيان التي تستجد على الحياة فوق كوكب الأرض. حالة العالم سنة 2001 ومنذ أسابيع قليلة, صدر عند مطالع العام الحالي التقرير السنوي الذي نحرص من جانبنا المتواضع على انتظاره مع بداية كل عام وقد تلقيناه منذ أيام بعنوانه المعروف: حالة العالم في سنة.2001 هو التقرير الدوري الذي يُعنى بإصداره (معهد مراقبة الأرض) في أمريكا برئاسة عالم كبير هو الأستاذ لستر براون ويدير المعهد المعروف باسمه العالمي (وورلد ووتش) مجلس ادارة من كبار المفكرين والاختصاصيين الثقات يبلغ عددهم 17 فردا معظمهم من الولايات المتحدة وإن كنا نلمح بينهم عالما ينتمي الى النرويج وأستاذا ينتمي الى هولندا فضلا عن شعورنا بالاعتزاز حين نلمح اسما عربيا من الجزائر هو الأستاذ عبدالرحمن خيني (هكذا نقلنا الاسم اجتهادا من صيغته بالانجليزية.. والله أعلم). الاستدامة بالمعنى الذي ألمحنا اليه هي الهدف الأسمى الذي تأسس معهد وورلد ووتش من أجله وهي الشعار الذي يرصع به المعهد صدر التقرير الذي نتحدث عنه.. والشعار يقول: نجو مجتمع مستدام والمعنى مجتمع يأخذ بأسباب التنمية المستدامة التي تتواصل خطاها دون اسراف غير مسئول في استخدام الموارد ومن منطلق الوعي المسئول الى أقصى حدود المسئولية بالقيمة الثمينة لموارد كوكبنا وخاصة المعرضة للنفاذ وللكائنات الحية عبر ممالكها المختلفة من طير وحيوان ولاسيما المعرضة لخطر الانقراض.. ثم للمنظومات الايكولوجية منظومات الدورات المائية المطرية, والمياه السطحية النهرية, أو المحيطية وانساق الحياة في البر والبحر والجو وما بين القطب والمناطق المدارية وخط الاستواء.. الخ.. وفي الاستدامة دعوة لا يلبث معهد وورلد ووتش أن ينبه اليها الى الحفاظ على الاتساق, الانسجام, التوازن الذي تتسم به هذه الشبكات أو تلك المنظومات والأنساق وهو توازن مرهف وانسجام دقيق يسير وفق قوانين تنطق كلها بعظمة فاطر الأرض مبدع السموات.. باعث الحياة.. وخالق الكون الذي سخره كما نعرف لصالح الانسان. مليون نسخة في 40 لغة مليون نسخة تصدر سنويا من تقرير (حالة العالم) السنوية.. وهو يترجم الى 40 لغة نتصور أن من بينها لغتنا العربية الشريفة.. ولأن دعوة الاستدامة.. وقد نترجمها من منظور تراث حضارتنا العربية بأنها دعوة القصد ما بين الاسراف والتقتير وكان بين ذلك قواما هذه الدعوة هي جوهر الجهود التي يبذلها المعهد المذكور وهي محور المطبوعات الصادرة عنه وفي مقدمتها اصداره الشهري على مدار العام تحت عنوان (أوراق وورلد ووتش) وهو عبارة عن كتيب من القطع الصغيرة يضم دراسة افرادية مونوجرام لباحث متخصص.. بأسلوب علمي شائع للقارئين.. وقد صدر أحدثها (يناير 2001) بعنوان (حتى لا نسمم أنفسنا) وهو بين أيدينا وقت كتابة هذه السطور وقد نعرض لأهم مضامينه في أحاديث لاحقة إن شاء الله. التغيير بين الانسان والطبيعة في حالة العالم سنة 2001 يسترعي الاهتمام الدراسة التي كتبها العالم الأمريكي (جاري جاردنر) تحت العنوان التالي: التعجيل بالتحول نحو الاستدامة. والكاتب ينبه الى أهمية التمييز بين التغير الانساني والتغير الطبيعي والى أن الانسان هو بمصادفة كونية فطرية سعيدة الكائن الوحيد المعروف عنه قدرة التخطيط لتغيير مسارات حياته. وأنه يحيل الى الماضي.. ويستفتي وقائع التاريخ.. ويعي الدروس المستفادة, ثم يقرر (التدخل) من أجل تغيير الأنساق والسبل المحيطة بظروف معيشته على الصعيدين المادي والمعنوي واذا كان التغير في الطبيعة. عملية يمكن وصفها بأنها (تطور بيولوجي) فإن التغير في حياة البشر, بفعل التدخل الانساني المخطط والمحسوب يمكن وصفه بأنه تطور ثقافي وهو ما يصفه الأستاذ جاري جاردنر بعبارة قال فيها: أنه الآن العامل الأقوى الذي أصبح يحدد مصائرنا.. بأكثر مما يحددها عامل التطور البيولوجي. والكاتب يقصد أن تدخّل البشر في الطبيعة بالسلب أو بالايجاب.. بالحفظ والصون أو بالاهدار والاهلاك.. هو الذي يحدد مسارات حياة البشر في الحاضر وفي المستقبل فوق كوكب الأرض بالسلب والايجاب أيضا. وفيما يؤدي التطور البيولوجي الى تغييرات تنتقل من جيل الى جيل, فالتطور الانساني البشري يمكن أن يسهّل تغيير المسار في اطار الجيل الواحد من البشر.. بل يؤدي الى تغيير حياة شعوب وأقوام لا يعرف بعضها بعضا.. ولا ترتبط بأي أواصر أو وشائج بيولوجية أو وراثية أو ثقافية. من ثورة الزراعة الى ثورة الصناعة ثم هناك سرعة ايقاع التغيير نتيجة هذا التدخل البشري. مثلا. استغرقت البشرية وقتا طويلا الى أن اكتشفت الزراعة وفجرت (الثورة الزراعية) من خمسة آلاف سنة حيث تحولت معايشها من صيد الغابة واقتناص الحيوان في الدغل الكثيف الى حيث سادت أساليب تمهيد الأرض والقاء البذار وتعهد النبات وجني الحصاد وتحويله الى غذاء موفور ومضمون. ثم وقعت الثورة الصناعية في أوائل القرن التاسع عشر.. وخلال المئة سنة الأخيرة وهي قوام القرن العشرين تسارعت خطى التقدم بصورة مثيرة.. درامية كما يصفها البحث الذي نحيل اليه في هذه السطور وفي هذا السياق يضيف البحث قائلا: في أمريكا استغرق الأمر 46 سنة منذ أوائل القرن العشرين لكي يتبنى ربع سكان أمريكا استخدام الكهرباء. لكن استغرق الأمر بعد ذلك 35 سنة لكي يتبنى ربع السكان أيضا استخدام الهاتف و26 سنة بالنسبة لاستخدام التلفزيون و16 سنة فقط لاستخدام الحاسوب (الكمبيوتر) و13 سنة لا غير لاستخدام الهاتف المحمول ثم 7 سنوات ليس إلا لاستخدام شبكة الانترنت العالمية للمعلومات. لا وقت للتأمل في اطار هذه السرعة المتلاحقة.. اللاهثة كما قد نسميها.. لم يعد لدى البشرية, وقت كاف لكي يتيح لها أن تستوعب وتتأمل مغزى هذه التغيرات ودلالة هذه التطورات وما ينجم عنها بالنسبة لحياة الناس وأفكارهم ومشاعرهم من انعكاسات من هنا فالوعي مطلوب بآثار هذه التغيرات وما تنطوي عليه من انجازات وايجابيات ومخترعات.. مع ضرورة نشر هذا الوعي على مستوى العالم الذي نعيش فيه.. وفي هذا الاطار أيضا يصبح من واجبنا نحن أبناء العالم الثالث أن نلتمس سبل هذا الوعي وأن نفتش عن المعلومات الحيوية, التي تمس في الصميم أبعاد وجوانب البيئة التي نعيش فيها. وأن نحترس من حالة الانبهار التي تصيب الفرقاء من عالمنا النامي ازاء ما يحققه أقرانهم من أهل العالم المتقدم من منجزات قد يكون لها للوهلة الأولى آثار ايجابية مفيدة بل باهرة.. ولكنها قد تنطوي في الوقت نفسه على آثار جانبية.. سلبية تجعل منها نعمة مخلوطة بالنقمة مما يوجب التمعن فيما نحصله من (الآخر) والتعمق ثم التريث في النقل أو الاستيراد.. سي. إف. سي في ثلاثينيات القرن الماضي اكتشف العلماء مجموعة من المواد التي أطلقوا عليها مصطلح كلوروفلورو كربونات وصاغا لها الاسم المختصر المعروف (سي.إف.سي) مكو نا من ثلاثة حروف بالانجليزية يومها قال قائلهم ان البشرية عثرت على ما يشبه كنز سليمان أو كنز علي بابا بطل قصة ألف ليلة الشهيرة مواد غير قابلة للالتهاب وغير سُمّية المحتوى وغير قابلة للتآكل.. ومن ثم استخدموها على أوسع نطاق وسط تهليل وتشجيع في صناعات الثلاجات والايروسول. كان ذلك كما ألمحنا منذ 70 عاما.. ولم يكن أهل تلك الفترة رغم مستواهم العلمي المتقدم يدركون أن هذه المواد ذاتها سوف تنجم عنها آثار سلبية خطيرة تلوث الهواء وتفسد البيئة وغلافها الجوي المحيط بالأرض (الأتموسفير) وتضر بالتالي بصحة الانسان.. ببساطة لأنها تلتهم طبقة الأوزون إياها التي تحمي كوكبنا الأرضي المهيض من غوائل الأشعة الشمسية. أهمية النظرة الشاملة لهذا يحذر أهل الايكولوجيا وهم دعاة الحفاظ على البيئة سواء كانوا ساسة أو علماء أو مفكرين قائلين: في مجال التعامل مع البيئة - لا تقصر نشاطك على مجال واحد بعينه.. بل انظر حولك في اطار شامل لتدرك وتتقي ما قد ينجم عن هذا الاجراء أو ذاك من آثار سلبية جانبية قد تكون ضارة بمجالات أو قطاعات أو كائنات أخرى وهم بهذا يقصدون الى أن التعامل مع الايكولوجيا البيئية فن ينبو عن النظرة الوحيدة الجانب ويقتصي شمولية النظرة وضرورات التعامل مع جوانب البيئة بوصفها منظومات متكاملة العناصر أو مركبات أو شبكات تتألف من عوامل أو ظواهر متضافرة. أنت مثلا تنشئ فندقا سياحيا يطل على منظر ساحر الى شط غدير أو ضفاف خليج.. هذا المشروع البري قد يؤدي من خلال عوادمه ونفاياته وا شعاعات الطاقة المستخدمة لادارته الى الأضرار الجسيمة أو شبه الجسيمة والمسألة خاضعة لدرس عميق وقياس دقيق بحياة الكائنات البحرية من حيوان ونبات. وفي المقابل.. أنت تؤسس مشروعا سياحيا أيضا على متن سفينة راسية في مياه البحر أو جوالة بين موانيء ومرافئ لزوم المتعة والاستجمام هذا المشروع البحري قد يؤدي من خلال مخلفاته وانبعاثاته وخاصة العوادم السائلة الناجمة عن الطاقة الاحفورية البترول بمحتوياته الكربونية العالية الى الحاق الأذى أيضا بحياة البحر وسلامة الشاطئ البري على السواء. هل معنى هذا أن يكف الناس عن تنظيم المشاريع التي تكفل الرزق الحلال وتحقق المتعة الحلال في آن واحد؟ بالطبع لا.. ولكن المعنى هو شمولية النظرة المسبقة التي تأخذ في اعتبارها بالدرجة الأولى تلك المراوحة أو ذلك الخيار بين حسابات المكسب وعواقب الخسارة. والمعنى أيضا هو التدقيق العلمي فيما يمس منظومات البيئة من جراء الأنشطة البشرية وهو التصور, العلمي أيضا للآثار الجانبية التي يمكن أن تقضي اليها تلك الأنشطة واتخاذ السبل الكفيلة بتلافيها أو استيعاب خطورتها. والمعنى كذلك هو أن لا يكون الربح العاجل هو الفيصل أو الأساس.. ولا أن يكون الكسب المادي الدولاري هو معيار الفصل أو الحسم فيما يعرض من أمور. والمعيار ينبغي أن يكون هو موازنة الكسب المادي بالضرر البيئي.. والمقارنة وبين الربح العاجل بالضرر الجانبي الذي يمكن أن يؤثر على أنساق الطبيعة في المدى الطويل وعلى حياة أجيال من البشر مازال بعضها في ضمير الغيب. هذا هو ما يقصد اليه كتاب (حالة العالم سنة 2001) حين الأخذ بنهج الاستدامة خوفا من عواقب الندامة.. ويؤكد على أهمية التأني والتدقيق فيما يعرض للبشر من أفكار ومشاريع ومخططات يهدفون منها الى تغيير حياتهم الى الأفضل بطبيعة الحال.. والكتاب المذكور يستخدم عبارة اصطلاحية يطلقها على هذه الدعوة ويقول فيها: (تشريح التغيير). للنشر في قلب الموضوع (في أمر يكا استغرق الأمر 46 سنة حتى استخدموا الكهرباء و35 سنة لاستخدام الهاتف و26 سنة لاستخدام التلفزيون و16 لاستخدام الحاسوب ثم 7 سنوات فقط لاستخدام الانترنت..) * كاتب سياسي من مصر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات