خربشات الجدران التي اعتمدها فتيان المراهقة في ثمانينيات القرن الماضي وسيلة للتعبير والتنفيس لاتزال طريقة دارجة حتى يومنا هذا تفرض تواجدها بين جيل الشباب, ولكن بمعطيات الألفية الجديدة وبلغة الوسائط المتعددة. إذ لايكاد يخلو فصل دراسي في مدارسنا بمختلف مراحلها التعليمية من منظر طالب يحمل هاتفا نقالا يتحادث به, بل ويستخدمه في توجيه بعض الصور الفاضحة والعبارات الجارحة إلى الطرف الآخر سواء كان فردا أو مجموعة, وينشرها علانية بين زملائه ورفاقه, محولا خدمة تبادل الرسائل القصيرة عبر الهواتف النقالة إلى صرعة جديدة في مجال تلطيخ الجدران بما يخدش الحياء العام. وقد أثار انتشار ظاهرة الكتابة على جدران المنازل والمرافق العامة في العقود الماضية قلق المربين والنفسانيين الذين دأبوا على تحليل وتقويم مثل هذه السلوكيات المنحرفة كدأبهم على دراسة مختلف الممارسات السلبية والطفرات المرحلية التي يمر بها من هم في سن المراهقة في سبيل معالجتها وتحجيم تأثيراتها. وبصرف النظر عما تم التوصل إليه من استنتاجات فقد واصلت الظاهرة حضورها وإن لم تكن على النمط الكلاسيكي المتبع, إذ تطورت بتطور العصر وتواكبت مع ثورة التكنولوجيا والإنترنت, واتخذت من قنوات الاتصال المختلفة وسيلة لتمرير هذه الخربشات بأسلوب حضاري لا تنقصه الأناقة واللباقة. وإذا كنا بنهاية القرن الماضي نتحامل على ظاهرة الكتابة على الجدران, باعتبارها سلوكا فرديا وطائشا, فقد خلصت الإمكانيات التي أتاحها العصر الحاضر إلى أن دائرة التأثير قد تعدت محيط الفرد في المجتمع إلى المجتمع بأسره في ظل العولمة والقرية الصغيرة. من هنا نتأكد أن العوامل التي أدت إلى استمرارية مثل هذا السلوك لا تنحصر في إطار الأسرة والنشأة فحسب, بل أن ثمة مؤثرات خارجية أخرى ساهمت أيضاً في تكريس هذه الظاهرة وعملت على استمراريتها بالشكل الذي يبدو حاضرا, ولعل أصابع الإتهام لا تستثني الإستراتيجية الإعلامية في ضوء تعدد وسائل الاتصال, وضرورة الوعي بأن الإعلام أصبح علما يمارس على أسس ونظريات علمية تستقي مرجعيتها وقوتها من العلوم الإنسانية والإجتماعية الأخرى, وليس من خلال امتلاك التكنولوجيا المتقدمة فحسب, وفي هذا السياق تبرز أهمية الاستعانة بالخبراء والمختصين في المجالات المختلفة لإنتاج برامج تخاطب هذه الفئات العمرية من أعلى مستوى, وإلا ستبقى الجدران عرضة للتعبير مهما تعددت الوسائط من حولنا.