إنما الشعر طائر لا يغني وهو في قبضة الحياة سجينُ يتغنى وضاحكات الأماسي ملء برديه والمنى والفتونُ وجناحاه رفرفات أمانٍ تتغنى وفي الغناء شجونُ وله الكون غدوة ورواحٌ وله الدوح موطنٌ والغصونُ طائر الشعر يا حبيسا توارى في جناحيه خنجرٌ مسنونُ لا تمت لا ولا تغادر حياةً هي لولاك أنفس لا تُبينُ وبناء يسدُّ أفق الأماني يتعالى فيقتلُ الياسمينُ وعجيب أمر هذا الإنسان فإنه إذا ولد فقيرا معدما خالي اليدين من أساور الذهب, رث الثياب بلا حرير ولا أشرطة نراه يلهث حتى يضع في يديه قيود الزينة تلك ويفني عمره كدا كي يلف نفسه بالحرير حتى إذا ثقلت يداه ورجلاه وخزائنه بالذهب وقيد الحرير حركته, ثقلت نفسه وحن إلى الأيام الخوالي حين كان حرا بلا قيود حتى وان كانت ذهبا, وحن إلى البساطة حتى وان كانت بساطا من قش. تلك حالات البشر وتقلباتهم بين المادية وحب الخلاص منها, وحرام أن يشبه الشعر ذلك الطائر الحر المغرد على مشارف المدن, المتأرجح على سنابل الحقول, الشارب من جداول الأودية, حرام أن يشبه جناحيه اللذين يطير بهما وتغريده الحر المتناغم بقيود المترفين المنعمين الباردة الجامدة. الشعر طائر له جسد جميل, نعم, ولكن هو الشكل الذي لا يتصور الشعر إلا به فكيف لك أن تتصور طائرا بلا جناح أو بلا رأس أو بلا جسد يحف به الجناحان ويحملانه إلى الآفاق ويحطان به على خمائل الزهر في مواسم الربيع. والشعر له روح ينفثها فيه الشاعر من جمال روحه ومن رقيق عواطفه, ذلك هو الشعر في نظري موسيقى منظمة مكتوبة كنوتة الموسيقى بنظام رقيق ينقرها منقار طائر جميل على مواجع القلوب, فإن كنت ذلك الطائر الغريد الذي يلبس الجمال رداء في شعره وغناء موسيقيا جميلا منظما فاكتب الشعر كيف شئت فصيحا أو نبطيا كيفما أردت, ولا تكترث ان صنفوك حداثيا أم تقليديا. فما الحداثة وما التقليد؟ أهما الشكل؟ أهما القالب الذي تصب فيه المادة؟ كلا فليس الكلام المموسق الآتي على بحر من بحور الشعر العربي تقليدا لذلك وحده وليس الكلام المنثور المسمى شعرا منثورا حداثة لانه أتى منثورا بلا موسيقى, فما القالب إلا آنية الزهور وليس كل ما يوضع في الآنية زهرا حقيقيا وكم من كلام موزون مقفى موسوم بالتقليد لمجرد انه موزون مقفى وهو الحداثة عينها وهو التجديد في ذروته. وكم كلام غث ضائع المعاني مسوخ الملامح يأباه النثر قبل الشعر وهو وصاحبه يدعي الحداثة ولا حداثة ولكنه أحداث وصاحبه يدعي الابداع ولا ابداع ولكنه ابداع مخرج عن كل ثابت, أوليست الحداثة دهشة أوليست الحداثة الشعرية أحداث دهشة غير مسبوقة, أو هزة في الكيان لم يسقها إليك الكلام غير الشعري؟ إذا كان الجواب نعم فمالك تشترط على تلك الهزة وتلك الدهشة أن تأتي في شكل الكلام العادي أوليس في قول يعقوب السبيعي هذا المتهم بالتقليد حداثة عندما يقول: فما لعينيك يا ليلى لو اهتدتا إلي في لجة الأهواء والنزق لقلت يا نور زدني حرقة وهدى فلست منك وان تطغى بمحترق إذا ارتمى الفجر في عيني فقد فرشت الجنون له لونا من الأرق وهل لا يكون الشعر حداثيا الا اذا جاء مهلهلا يدوس على كل مقدس ويضرب الحائط بكل أصل ثابت كقول قائلهم: في البدء كنت رجلا وامرأة وشجرة كنت أبا وابنا وروحا قدسا ولماذا لا يكون النص الموزون المقفى حداثيا إلا إذا ارتكب الخطيئة كقول أبي الهندي: إنما العيش فتاة غادة وقعودي عاكفا في بيت حان أشرب الخمر وأعصي من نهى عن طلاب الراح والبيض الحسان وعندما يصرح كمال أبو ديب مصفقا يقول: (اقتراف الخطيئة يشكل مكونا بنيويا للحداثة).