تأتى القيمة الثالثة من القيم التى سادت النظام السياسى الاسرائيلى فى العنف كمثل أعلى والحرب عمل مقدس: حيث يميز العقيدة العسكرية لليهود فى الأزمان القديمة حسبما جاء بالتوراة والتلمود ذلك الترابط العضوى بين (حروب اسرائيل) وبين (رب الجنود). ولما كان (الشعب الاسرائيلى) شعب مقدس لأنه شعب الله المختار, وكذلك كانت الأرض المقدسة مقدسة لأن ساكنيها مقدسين, والأهم من ذلك أن الله قد قدس الشعب والأرض لأنه قد اختار ذلك, فلأجل ذلك كله تصير الحروب التى يشنها ويشارك فيها ويعلنها (شعب الله المختار) الشعب الاسرائيلى حروب مقدسة لأنها تصدر أولا بتعليمات من رب الجنود, وتحت قيادته (يهوه إله اسرائيل هو فى نفس الوقت رب الجيوش, ومحارب شديد, يقود شعبه بعنف وغلظة). وفى خطاب الحاخام موشى جورين حاخام جيش الدفاع الاسرائيلى, امام الجنود صباح يوم الخامس من يونيو , 1967 قال ليحثهم على القتال, ويعبأ نفوسهم, ويشحذ هممهم (لقد جاء اليوم العظيم لأمة اسرائيل.. ولسوف يساعدكم رب المعارك وينصركم). وقد تناول دافيد بن جوريون أمر المهام القتالية بالإستيلاء على الأرض من باب (المهام الإلهية) ففى خطاب امام الكنيست فى 15 إبريل 1956 قال فى (أيامنا هذه لن يستمع أحد إلى (مهمة إلهية) على هذا النحو من الدقة والوضوح.. ورغما من هذا الوعد وكل ماصاحبه من مساعدات لم يتمكن يوشع بن نون من امتلاك الأرض المتبقية.. أن البلدان التى لم يحررها يوشع قد حررها جيش الدفاع الاسرائيلى فى أيامنا هذه). ولا تكتفى الصهيونية بذلك, انما تعتبر كل أرض تدوسها أقدام جيش الدفاع الاسرائيلى أراض يهودية, هكذا قالت التوراة فى سفر يشوع (6,5,3,1) ( كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيه كما كلمت موسى ) وبهذا المعنى قال بن جوريون فى خطاب 15 إبريل 1956 (هنا تكون الحدود.. حيث يصل الزحف الاسرائيلى. أن ماحدده الرب هو افضل ضمان لاسرائيل, أما الضمانات التى أعطتها لنا الدول الثلاث الكبرى فليس لها مثل هذا الوضوح أو تلك الثقة). وتثبيتا لهذا المفهوم الالهى, بذل رجال الفكر العسكرى الاسرائيلى, والمؤرخون والاستراتيجيون كل الجهود من أجل الربط المستمر بين معارك الحركة الصهيونية قبل الدولة وبعدها بمعارك العبرانيين فى الماضى السحيق حتى يؤكدوا لأنفسهم أولا و لغيرهم ثانيا أنهم أصحاب (مهمة الهية). وعن ذلك يقول بن جوريون (إن كل تاريخ اسرائيل القديم يرويه لنا الكتاب المقدس إن هو بالدرجة الأولى الا تاريخ اسرائيل العسكرى.. لقد حارب اليهود الأوائل الاشوريين والبابليين والمصريين والكنعانيين والمعابين والعمونيين والفرس والإغريق والرومان.. وحين هزموا على يد فيالق تيتوس, بعد معركة يائسة, آثروا أن يقتلوا أنفسهم فى مسعدة على أن يستسلموا.. وقد رأت اسرائيل الحديثة فى مسعدة رمز لارادتها.. فاليوم يقسم المجندون يمين الولاء فوق قلعة مسعدة وهم يرددون (لن تسقط مسعدة مرة أخرى). وقبل حرب ,1967 كتب موشى ديان مقالا معنويا غرضه بث روح المحارب داخل الجنود الاسرائيليين حكى فيه قصة المبارزة التى وقعت بين داود وجالوت! أنزل جالوت الى ساحة الوغى مدججا بسلاحه, مغطى بدروع الفولاذ, التى أثقلت حركته, وحرمته من حرية المناورة, أما داود فاكتفى بمقلاع بسيط وبعض الحجارة فكان ذلك خفيفا وسريعا, ولم يكن جالوت بكل مايحمل من أسلحة قادرا على اصابة داود من بعد. واستغل داود ذلك فأطلق الحجارة من مقلاعه من بعيد.. وهكذا أحسن داود استخدام نقطة القوة فى سلاحه, واستغلال نقطة الضعف فى خصمه ليقضى عليه.. ولم يغفل داود الناحية المعنوية فى معركته, إذ نجده يخاطب جالوت ليزعزع معنوياته قائلا: (أنت تقبل نحوي بالسيف والرمح والحربة, أما أنا فأتقدم نحوك باسم رب جيش اسرائيل التى أهنتها). وقد كان ذلك نموذجا لربط الماضى البعيد, بالحاضر, والمقدس بالواقع, كما كان فى نفس الوقت محاولات دؤوبة من قبل الخبراء لاستخراج دروس وعبر تشكلت منها الطريقة القتالية لجيش الدفاع الاسرائيلى, وكان من بينها ماأسماه موشى ديان بالوصايا العشر: المفاجأة, الهجوم الحاسم, الاستعداد الكامل والتخطيط الدقيق, الخداع والتضليل, الحرب الخاطفة, كشف أوضاع العدو وقدراته ونواياه, التفوق الكمى والكيفى على العدو, تهيئة الظروف ا لمعنوية العالية للقوات مع العزم على تحطيم معنويات العدو, التوظيف الأمثل لطبوغرافية أرض المعارك, اعتماد القواعد التنظيمية المنظورة والاعتماد على الجيش الشعبى الذى يضم كل فئات الشعب. وقد قام الاوائل من القيادات الدينية والسياسية والعسكرية والفكرية من الحركة الصهيونية قبل الدولة وبعدها ببلورة رؤية قيمية تعطى تبريرا للسلوك الذى يفرض على أو يخرج من جند اسرائيل, ولذلك أخرجوا من التوراة الآيات التى تحض على العنف مع العدو, حيث جاء فى سفر التثبئة 20: 104 16 أما مدن هؤلاء الشعوب التى يعطيك الرب الهك نصيبك فلا تستبق منها نسمة ما, ومن سفر أشعياء 13: ,16 18 (تحطم أطفالهم أمام عيونهم, وتنهب بيوتهم, وتفضح نساءهم.. لا تشفق عيونهم على الاولاد). وهكذا ينكشف لنا أن المشترك فى كل هذا العنف من حيث المبدأ والأسلوب والاداة, هو السعى لخلق قناعة لدى التجمع الصهيونى بكل مؤسساته وأحزابه وأفراده بأن شعب الله المختار لابد أن يكون قادرا على مواجهة الاعداء, وكما أن أساليبه وأدواته هى أيضا مقدسة لأن الرب يباركها. وهكذا تكون القوة فوق الحق لانهم هم الحق فهم أصحاب الوعد الالهى وهم شعب الله المختار وتلك الأرض المعطاه لهم وهى أرض مقدسة. فالعنف إذن مثل أعلى فى الصهيونية, وجوانب أشكال العنف لها قدسية خاصة فى التوراة وفى التاريخ اليهودى, ومن أجل ذلك كان فلاديمير جابوتنسكى يقول ويؤمن ويعمل بنظرية أن التوراة والسيف أنزلا على الشعب اليهودى من السماء. كما كان مناحم بيجين يرى أن قو ة التقدم فى تاريخ العالم للسيف وليست للسلام. وعلى أساس ذلك المنطق والثابت العقيدى نشأت المؤسسة العسكرية أحد أركان النظام السياسى الاسرائيلى, كما تربى جيل القادة الاوائل, بالاضافة الى التربية المخططة للأجيال الجديدة على قدسية مبدأ العنف فى التوراة والتاريخ اليهودى والحاضر الاسرائيلى. وهكذا امتد العنف ليشمل كل التجمع الصهيونى الاستعمارى الاستيطانى العنصرى وذلك عبر عملية التنشئة الاجتماعية التى قامت بها كل المؤسسة العسكرية والتعليمية والدينية والأيدلوجية عبر التعاونيات الزراعية (الكيبوتز). ولعل جيل الصابر انموذج لتلك التنشئة , كما أن الاجيال الطالعة من المؤسسة التعليمية للحريديم تكشف لنا عن عمق العنف المورث لهذه الأجيال, كما انها تكشف لنا عن تعدد المؤسسات المنتجة له, كما توضح لنا الدور المحورى الذى تأخذه المؤسسة العسكرية ورجالها فى النظام السياسى الاسرائيلى. لكل هذا, أصبح العنف والحرب المقدسة احدى المفاعيل الأساسية للادراك الصهيونى للواقع والتاريخ. ولم يكن هناك مفر من أن يترجم هذا الادراك نفسه لاجراءات وعنف مسلح لتغيير الواقع. وكان تنظيم (الهاشومير) وهى المنظمة التى أصبحت الهاجاناه امتدادا لها. وكانت تستخدم العنف بالعصى والسكاكين مع أصحاب الأرض من العرب الفلسطينيين. وبعد وضع فلسطين تحت حكم الانتداب البريطانى أخذ البناء التنظيمى للعنف الصهيونى فى النمو حين تأسست الهجاناه ممثلة الذراع العسكرى للوكالة اليهودية ,1920 ومن داخلها تشكلتا كتائب بوش عام ,1937 وفرق البالماخ. وبعد انشقاق أنصار الصهيونية التصحيحية (جابوتنسكى) كونوا تنظيما أكثر دموية وعنفا (الأرجون تسفاى ليومى (الإتسل)). وفيما بعد انشق عن إتسل (جماعة ابراهام شتيرن) وكونت عام 1940 جماعة ليحى. وتعد تلك التنظيمات العنفية الثلاثة (الهاجاناه إتسل ليحى) بمثابة العمود الفقرى للعنف الصهيونى منذ أن بدأ الاستيطان على أرض فلسطين, وعلى وجه الخصوص من قبل الانتداب العسكرى حتى قيام (الدولة الاسرائيلية). ومن بين السجل الحافل للعنف والارهاب الصهيونى على أرض فلسطين قبل قيام الدولة, قيام الهاجانة بقتل مواطنين عربيين فلسطينيين رميا بالرصاص فى 16 ابريل 1936 وكان ذلك بجوار مستعمرة تباح تكفا, كما شهد عام 1937 سلسلة من عمليات القاء القنابل على العرب الفلسطينيين العزل فى المقاهى والأسواق ووسائل النقل وامام المساجد, راح ضحية تلك العمليات فى هذا العام حوالى 500 شهيد ومايقترب من 250 مصاب من الفلسطينيين. وتوالت تلك العمليات المستندة الى فلسفة العنف الصادرة من التوراة وبالذات بعد تشكيل (حرب العصيان العبرى), من المنظمات العنفية الثلاث, ومثلهم فى القيادة كل من جاليلى وموشى سنيه عن الهاجاناه ومناحيم بيجين من إتسل وابراهام ستبرن ويالينى مورعن ليحى وكانت باكورة أعمال حركة العصيان تلك نسف محطة سكك حديد رام الله فى أول نوفمبر ,1945 وفى عام ,1947 ,1949 كثف الارهابيون الصهاينة من عملياتهم ضد القرى والمزارع, الأمر الذى أدى الى تشريد مايقرب من 900 ألف فلسطيني, وكان ذلك بعد المذابح الجماعية التى عرفت باسم مذبحة دير ياسين ومذابح قرى حساس وبازور وسعسعس والدوايمة والرحلة وبلدة الشيخ وقد تسببت تلك المذابح فى هجر كلى أو جزئي لحوالى 350 قرية ومدينة من السكان فى حرب 1948 من بين 450 قرية ومدينة سيطرت عليها العصابات اليهودية. بعد الاعلان عن قيام اسرائيل فى مايو ,1948 أسرعت القيادة الصهيونية الى اطلاق تسمية (جيش الدفاع الاسرائيلى) على جماعة الهجاناه والى ادماج الجماعات العنفية الأخرى الى الجيش. وهكذا أصبح العنف يمارس باسم الدولة وبدأت ظاهرة الحروب المقدسة والترحيل القسرى والجماعى للفلسطينيين. وتكشف لنا مسيرة العنف تلك كيف تشكلت احدى أهم مؤسسات النظام السياسى الاسرائيلى وهو المؤسسة العسكرية, وتبدأ مسيرة عنف أكثر اتساعا وشمولا ويكتب التاريخ عن مذبحة شرفات ومذبحة قلقلية ومذبحة بيت لحم ومذبحة غزة ومذبحة قبية ومذبحة كفر قاسم وحرب 5 ,6 ,67 ,73 1982 الخ, ومذبحة قانا, و مصنع أبوزعبل وضرب المفاعل النووى العراقى وضرب تونس والطائرة المصرية. هناك قيم أخرى حاكمة للنظام السياسى الاسرائيلى وللتجمع الاسرائيلى, بالاضافة الى مافات ذكره وهى قيمة العدالة والمساواة بين اليهود فقط. أما الأغيار (الجويم) فالاستحلال لماله وعرضه ولدمه وارد بل مطلوب. ولعل هروب موسى النبى تؤكد ذلك بعد قتله لمصرى, وقصة جمع كل ماغلى ثمنه من المصريين عند مغادرة اليهود لأرض مصر, تؤكد ذلك أيضا, وقد جاء فى (سفر العدد 31: 25 27) (وكلم الرب موسى قائلا: (احص النهب المسبى من الناس والبهائم. ونصف النهب يكون لمن باشروا القتال), مثلما سلب يعقوب وأهله مضيفيهم من المصريين وأعطى نعمة لهذا الشعب فى عيون المصريين, فيكون حينما تمضون أنكم لا تمضون فارغين, بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن نزيلة بيتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابا وتضعونها على بنيكم وبناتكم فتسلبون المصريين). (الخروج 3 : 21 و22). وهناك قيم الحرية الفردية والحرية الاجتماعية والتى جاءت أيضا من استخراجات توراتية, بالاضافة الى تعايش الفكر الليبرالى الغربى والفكر الاجتماعى الاشتراكى فى أوروبا أثناء العصر الصناعى, ومابعده, كما أن الشخصية الاسرائيلية محملة بكثير من القيم منها الرئيسى والثانوى, ولعل ذلك كان سببا محوريا فى تناولها النقدى اللاذع من قبل الأدباء والمفكرين. لكن مايهمنا هو تأثير ذلك على النظام السياسى الاسرائيلى بكل مؤسساته وأحزابه وجماعاته حيث تكشف لنا ممارسات ذلك النظام الكثير من تلك القيم, قيم الاستعلاء العنصرى وقيم الصهيونية كعقيدة استعمارية استيطانية احلالية عنصرية, وقيم العنف الممارس فى الحروب وفى التنشئة الاجتماعية, وفى النسف والتدمير لمنازل الفلسطينيين وفى العديد من المذابح ضد عرب فلسطين والذين اعترفوا بها بأنفسهم, كما تكشف لنا التفرقة الرهيبة بين اليهود وسكان الأرض الأصليين من العرب نوع المساواة والعدالة الذى يؤمن به ذلك النظام السياسى الاسرائيلى. ومن هنا فإن النظام قد تأسس وأنشأ وقام على أساس تبنى تلك القيم فكان من الطبيعى أن تعبر ممارساته اليومية عنها أيضا, فالمدخلات تساوى المخرجات دائما. كاتب وباحث سياسى مصرى