نواصل قراءة واستنطاق بعض الوثائق الامريكية الجديدة التي نعتقد انها تشكل رؤية متجددة لدور الامبراطورية وتحاول وضع اسس مختلفة لتقييم رسالتها في عالم (معولم) حققت، فيه وسائل الاتصال تحولات جذرية من الصعب تجاهلها. هذه الوثائق تؤكد ان تغيرا طرأ على طريقة تفكير النخبة الامريكية الحاكمة او ذات التأثير الواسع. احدى هذه الوثائق هي التصريح المطول الذي ادلت به (السيدة الاولى) في الامن القومي الامريكي كوندوليزا رايس ونشرته عدة صحف امريكية وبريطانية واسرائيلية وترجمته للعربية بعض وسائل اعلامنا دون تحليل لمحتواه. وقالت المسئولة الجمهورية الجديدة: (يجب اعادة ترتيب الاولويات في السياسة الخارجية الامريكية على اساس المصالح المباشرة للأمن القومي..) ثم تمضي المستشارة في تعداد تلك الاولويات فتضع في طليعتها ما تسميه (العلاقات الجيوستراتيجية الكبرى اي العلاقات مع روسيا والصين) ــ لاحظوا عدم ادراج الاتحاد الاوروبي في منظومة العلاقات الجيوستراتيجية الكبرى! ـ وتقترح رايس فتح المفاوضات مع روسيا والصين في كل ما يتعلق بالخيارات العسكرية الاساسية المستقبلية ــ ومن البديهي ان تكون رايس تقصد برنامج الصواريخ المضادة للصواريخ وهو ما يصطلح عليه بحرب النجوم الذي اقرته ادارة الرئيس كلينتون ورصدت له اعتمادات اولية بحوالي ثلاثة مليارات دولار. كما تقترح المستشارة تقليص التدخلات العسكرية لأسباب انسانية, وهو اقتراح واضح المرامي بحيث يبدو وكأنه انتقاد للحملة الاطلسية على يوغسلافيا من اجل تشريد شعب كوسوفو على ايدي الدولة الصربية ورئيسها ميلوسيفيتش. وربما اوحت هذه المقترحات للصحفي البريطاني المعروف فيليب ستيفنز تكهنه بصحيفة فايننشيال تايمز عن مبادرة امريكا بسحب العشرة آلاف جندي امريكي من البلقان مع وصول الرئيس بوش الابن الى البيت الابيض. ونعود لحديث مستشارة الامن القومي فهي تقترح (التعامل) مع دول متمردة مثل ليبيا وايران وحتى العراق من اجل ايقاف انتشار التكنولوجيات المدمرة والقاتلة والتي ربما تأتيها من عمليات بيع لهذه التكنولوجيات من قبل دول عظمى سابقة (بالطبع افهموا الاتحاد السوفييتي سابقا!). ثم تأتي المستشارة الى الامن الاقتصادي والمالي الذي توفره وتضمنه في نظرها مؤسسات عالمية مثل صندوق النقد الدولي. ولعل المستشارة تنسى ما يلاقيه هذا الصندوق من حملات الرفض والمقاومة نظرا الى انه في نظر العديدين ــ حتى الامريكان انفسهم ــ يكرس المظالم الناتجة عن عقلية (بريتن وودس) وهيمنة الدولار والتي كانت احدى نتائجها رهن ثلاثة ارباع المعمورة في ديون متراكمة وفقر مدقع وثورات شعبية اصطلح علماء الاقتصاد والسياسة على تسميتها بثورات صندوق النقد الدولي. وننتقل الى وثيقة اخرى جديدة وهي التقرير الذي اعده مركز واشنطن للسياسة في الشرق الاوسط لانارة سبيل الادارة الامريكية الجديدة حول الوضع في الشرق الاوسط ويقدم لها توصيات للسياسة التي يتعين انتهاجها. ونقلت صحيفة (هأرتس) في عدد يوم 17/1/2001 ابرز خطوطه العريضة. وهذا ليس بالأمر الجديد لأن المركز المذكور يتعامل مع السياسة الخارجية الامريكية في الشرق الاوسط من منظور المصالح الاسرائيلية. وينصح التقرير ان تعمل الادارة الامريكية ما في وسعها لمنع حرب اقليمية يمكن ان تتطور اليها الانتفاضة الحالية وذلك بإعادة النظر في اسلوب اوسلو والتصدي لنية السلطة الفلسطينية اعلان دولتها المستقلة من جانب واحد ويوحي التقرير كذلك الى (تعزيز قوة التصدي الاسرائيلية) من جهة والاعتماد اكثر فأكثر على دور كل من مصر وتركيا لانشاء توازن سلام ضد احتمال قوة التطرف). كما ينصح التقرير المزيد من التنسيق الامريكي مع الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي في عمليات مستقبلية مثل (ردع العراق) وبالطبع فالمقصود غير المعلن هنا هو توفير غطاء اممي ودولي لكل عملية تقوم بها الامبراطورية لمصلحة اسرائيل! ويعبر التقرير عن تخوفات من امتلاك ايران للسلاح النووي وامكانية حدوث تغيير في قمة الحكم بباكستان تجعل الردع النووي متكافئا مع القوة النووية الاسرائيلية المسكوت عنها. هذه قراءة لوثائق امريكية تؤكد طبعا على ديناميكية السياسة الخارجية للامبراطورية ولكن كذلك على خوف وعدم ثقة امام احتمالات جديدة لم تعد خافية مثل امكانية تغير الميزان النووي والتكنولوجي في المنطقة, كما تؤكد ان الاحتلال الاسرائيلي سيواجه صعوبات جمة اذا ما لم يقع دعم التحالف الاستراتيجي الامريكي الاسرائيلي بشكل يحقق اهداف اسرائيل. فالأشواك التي تؤلم قدم الامبراطورية هي اشواك اسرائيلية بالدرجة الاولى يمكن ان توحي لمهندسي السياسة الخارجية بفكرة مثل التي طرحها الجنرال كولن باول عندما قال يوم 23/1/2001: (انا اوافق رايس في اعادة ترتيب الاولويات!). وهو ما فهمته الدولة العبرية كما يبدو على انه وضع للأولوية الاسرائيلية موضع النظر... فالشك.