هل يتجاوب الرئيس عرفات مع مطلب قادة القوى الميدانية التي تتشارك في قيادة المقاومة الشعبية الفلسطينية (باعطاء اولوية لترتيب اوضاعنا الداخلية؟). هناك, كما يعلم الجميع فجوة ذهنية بين العقلية السياسية للقيادة التقليدية التي تدير جهاز السلطة الفلسطينية والعقلية الجماعية لقيادات المقاومة الميدانية في الشارع. واذا كانت نقلات الانتفاضة لمدى الشهور الاربعة الاخيرة ادت الى بروز هذه الفجوة بأوضح ما يكون على صعيد التعامل الفلسطيني الخارجي خاصة مع اسرائيل فإن ظهورها على صعيد التعامل الداخلي الفلسطيني ـ الفلسطيني ليس بأقل وضوحا. وهذا ما تكشف عنه محتويات وروح الرسالة القوية التي بعث بها الى الرئيس عرفات خلال الاسبوع قادة ميدانيون يمثلون 13 تنظيما بما في ذلك (فتح) و(حماس).. وهم منضوون تحت التنظيم المظلي المسمى (لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والاسلامية). ومحور الرسالة هو (ترتيب الاوضاع الداخلية). ان المحتوى العام للرسالة مباشر وصريح وقوي.. ودون مقدمات بلاغية يخاطب اصحاب الرسالة الرئيس عرفات ابتداء من الفقرة الاولى قائلين: (نطالبكم باتخاذ قرارات حاسمة تضع حدا قاطعا لكل مظاهر الفساد المالي والاداري وسوء استخدام المناصب العامة والمال العام والثراء غير المشروع والتجاوز على القانون والاعتداء على حريات وحقوق المواطن العامة والخاصة ومحاسبة المسئولين عن ذلك كله في محاكمات علنية وعادلة). وتأسيسا على هذا المدخل الحازم كانت المطالبة (باعطاء اولوية لترتيب اوضاعنا الداخلية) وفي شرح هذا (الترتيب) طالبت الرسالة (بوضع حد نهائي لكل الظواهر والممارسات الخاطئة بما يعيد ثقة المواطن بالقانون وسيادته على الجميع والفصل بين السلطات, وينهي احتمالات انتشار ظاهرة اخذ القانون باليد ويعزز الجهود في ملاحقة العملاء ويرسخ ثقة الشعب بقيادته وبقدرته على مواجهة كل الاخطار والتحديات باستمرار الوحدة والانتفاضة والمقاومة). ورغم حرارة النفس هذه التي تميزت بها هذه الرسالة القوية الا انها لا تتضمن اي اشارة يمكن ان تنم عن طعن في شرعية الرئيس عرفات او حتى شرعية وجود السلطة الوطنية الفلسطينية. ويبدو ان القادة الميدانيين اصحاب الرسالة قد تفكروا مليا في الموازنة ما بين اقتناعهم بضرورات الاصلاح السياسي في السلطة الفلسطينية وبين الانزلاق الى مواجهة ساخنة مع السلطة قد تفضي الى اشتباكات لفظية يمكن ان تتحول بالتداعي الخطير الى حرب اهلية. فبقدر ما ان الرسالة تعكس حزما وعزما الا انها لا تعكس تهديدا. ولهذا جاءت الرسالة كمكاشفة أمينة من نوايا طيبة لا تبلغ مستوى التحدي. والسؤال المطروح هو اذن: كيف يتقبل الرئيس عرفات هذه الرسالة المهمة؟ اذا افترضنا ان السوابق لا تزال سارية المفعول فإننا نستعيد الى الذهن رسالة مماثلة تلقاها عرفات عند أواخر عام 1999 وعرفت باسم (بيان العشرين) نسبة الى عشرين شخصية فلسطينية بارزة حمل البيان توقيعاتها. فماذا فعل عرفات؟ لقد نقل الرئيس الفلسطيني القضية الى (المجلس التشريعي) (البرلمان) حيث دار نقاش ساخن بين فريقين خصمين احدهما يهاجم السلطة والثاني يدافع عنها. وانتهى الامر الى قبول الجميع باقتراح من عرفات بتشكيل لجنة (لتقصي الحقائق) حول ممارسات الفساد. وبعد ذلك لم يسمع اي شيء عن اللجنة حتى يومنا هذا. غير ان مثل هذه السابقة ليست سارية المفعول. فقد تبدل المناخ الذي كان سائدا قبل عام باشتعال الانتفاضة وخروج الشعب الفلسطيني الى الشارع طالبا الموت. وفي تقديري ان الرئيس عرفات لن يستطيع في مثل هذه الظروف الملتهبة ان يتجاهل الرسالة الميدانية الجديدة الا اذا اراد ركوب مخاطرة جسيمة وحاسمة.