هناك حاجة غلط بالتأكيد وينبغي التوقف عندها قليلا لدراسة هذه الظاهرة الغريبة. ضابط شرطة يخطف سلاسل ذهبية من حول أعناق السيدات ويهرب بها في الشارع كأي نشال محترف. ووكيل نيابة يضبط متلبسا بسرقة بعض خراطيش السجاير, وبتفتيشه عثروا في جيبه على ماكينة حلاقة.. ضابط شرطة ووكيل نيابة و حوادث سرقة تافهة. ولكن الظاهرة خطيرة, ثم ماذا ننتظر بعد وكيل النيابة وضابط الشرطة؟ أستاذ جامعة يضبط وهو يعبث بيده في جيب مواطن ميسور, هل ننتظر حتى يتم القبض على وكيل وزارة وهو يتسلق سطح منزل لسرقة الغسيل؟ ثم كيف يجازف وكيل نيابة بمنصبه وسمعته ومستقبله لسرقة خرطوشتين سجاير؟ وما هي القيمة المادية لهذه الخراطيش؟ مائة جنيه.. مائتي جنيه؟ وهل تساوي ما فقده وكيل النيابة؟ وثمن السلسلة الذهبية.. هل تساوي ما فقده الضابط الشاب؟ العبد لله شخصيا يعتقد أن المسألة كلها مجرد شقاوة ولعب عيال لأن وكيل النيابة لو كان هدفه المال لكان بإمكانه أن يجد أكثر من وسيلة للحصول على مال أوفر وبطريقة مأمونة ومحترمة.. وكتيمي على رأي فؤاد المهندس. ولكن.. هل هي الشقاوة وحدها التي دفعت وكيل النيابة الى سرقة الخراطيش, ودفعت الضابط الى خطف السلاسل الذهبية؟ بالطبع لا.. ليست الشقاوة وحدها, ولكنها الشقاوة مع خيبة الأمل, الى جانب الهزة العنيفة التي أصابت المجتمع المصري, وهي هزة أعنف من الهزة التي أصابت الهند في الأسبوع الماضي, ودفنت أكثر من ألف مواطن تحت الأنقاض. هزة جعلت من صاحب محل كرشة ولحمة رأس مليارديرا ولا أوناسيس ورجل أعمال ولا عثمان أحمد عثمان.. صاحب محل الكرشة هو الحاج فتحي الريان الذي أسس مع زميله العملاق الحاج السعد أكبر شركة رأسمالية في تاريخ مصر الحديث. نفس الهزة التي رفعت ولد صايع كانت أرقى مهنة احترفها هي مهنة وكيل فنانين ولكن فنانين من الدرجة الثالثة. وفي أزهى السنوات التي مارس فيها هذه المهنة وصلت أرباحه في بعض الفترات الى مائة جنيه شهريا. هذا الولد الصايع هو الذي أصبح فيما بعد بنكيا مليونيرا يشار اليه بالملايين والذي يعرفه المصريون باسم توفيق عبدالحي, تاجر الفراخ الميتة والغربان المذبوحة على الطريقة الاسلامية. كما ريان وكما توفيق عبدالحي تمكنا من السباحة على سطح المجتمع المصري الى الدرجة التي نجح فيها توفيق عبدالحي من هزيمة المستشار علي السيد في انتخابات أحد النوادي وفاز بالرئاسة, وفشل المستشار علي السيد في تحدي مدير الأمن الغذائي في عموم بر مصر. ثم انكشفت عمليات الهبر المجنونة من بنوك مصر والتي جعلت من بعض النجارين والحلاقين أصحاب ملايين وتصرفوا كأنهم بعض بناة أمريكا الأوائل. نفس الهبرة امتدت حتى وصلت الى قضية السكرتير الغلبان محمد فودة. وهو غلبان لأنه لم يعين نفسه سكرتيرا لوزير, وهو لم يخترع شيئا جديدا, ولم يخترق نظاما حديديا للنزاهة والشرف, ولكنه وجد طريقا ممهدا فمضى عليه, ناس تدفع مئات الألوف وناس تقبض وتشكر الله الذي يرزق من يشاء بغير حساب, ومحمد فودة مجرد واسطة بياخد من هنا يوصل هناك, ويلتقط الفكة التي تسقط من يد الذي يدفع, والفكة التي تقع من جيوب الذي يقبض. ومع ذلك فالواسطة في السجن, بينما الذين دفعوا والذين قبضوا يعيشون في أمان واطمئنان وينتظرون فرصة أخرى لمواصلة اللهط والمهط. ما علاقة هذا الذي يحدث في المجتمع المصري بسرقة خراطيش السجاير وخطف سلاسل النساء الذهبية؟ العلاقة وثيقة والدلائل عليها متوفرة. عندما تنهار علاقات المجتمع بالشكل الذي انهارت عليه بسبب الانفتاح والانتساخ الاقتصادي. عندما خاطب الرئيس السادات جموع المصريين في إحدى المناسبات قائلا لهم (كل واحد يكسب زي ما هو عاوز, أنا مش عاوز حقد أبدا) عندما ينهار نظام المجتمع بسبب بعض الممارسات وبعض المؤامرات التي تمهد الطريق أمام نوعيات من البشر, لترتفع من القاع الى القمة بدون حق, يصبح الطريق ممهدا لظهور مثل هذه الأفعال التي ظهرت أخيرا, وكيل نيابة يسرق خراطيش سجاير, وضابط شاب يخطف سلاسل ذهبية, تماما كما يدمن رب أسرة الأفيون أو شم الهيروين, ستنهار الأسرة كلها رغم أنف المدمن, سيشترك الولد في عصابة سرقة, وستتجه البنت الى الدعارة. وهذا هو الذي حدث من ممارسات ساذجة وغبية, وهي الممارسات التي يجب أن نتوقف عندها لندرس بعناية هذه الظاهرة التي تحتاج منا الى وقفة مع النفس ووقفة مع الغير!