هذه الدراسة تأمل فى أن تقدم شرحا وافيا وموجزا يعين فى الاحاطة بأهم عناصر النظام الأساسى للمحكمة الجنائية الدولية فى شكل مترابط, وأن تضع الدراسة بعض الملامح الأساسية لعلاقة هذا النظام بالتشريعات الداخلية. لابد من التأكيد أولا وقبل كل شئ أن هذه الدراسة الموجزة سوف تركز على بعض عناصر النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية, وانها تأثرت كثيرا بما أثر من تعليقات بعض الدوائر الحكومية والفقهية فى دول العالم الثالث, وبالتالى فلا يمكن الادعاء بأنها سوف تستغرق كافة أبعاد الموضوع, بل ربما يكون مجرد اجتهاد ينبغى ان يتبعه اجتهاد أكثر شمولا وأعمق تخصصا تعكف عليه الأجهزة المختصة فى الدول المعنية, فضلا عن المراكز الا كاديمية المختلفة, وكذلك مؤسسات المجتمع المدنى الأخرى, وذلك سوف يحقق فضلا عن التوصل الى تقييم متوازن لهذا النظام القضائي الدولى الجديد, فمن المؤكد أنه سيحقق أيضا تنمية للوعى والمعرفة فيما يتعلق به على اوسع نطاق داخل المجتمع, وذلك أمر ضرورى فيما يتعلق بالطبيعة الجنائية للموضوع. ولا شك أن أحد أسباب التخوف من النظام الاساسى للمحكمة الجديدة, ينبع من عدم معرفة التطور التاريخى لتلك الجرائم التى تكون غالبا مخالفة لأحكام القانون الجنائي لكل دول العالم لذا فان ماسنحاول اثباته هو ان النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية لم يستحدث أحكاما جديدة لم يستقر عليها القانون أو العرف الدولى, ولذلك فإن المصلحة الوطنية قد تقتضى ليس فقط المسارعة فى التوقيع على هذا النظام, بل أيضا المسارعة فى التصديق للمشاركة بفاعلية فى جمعية الأعضاء التى سيناط بها العديد من المهام التى ستضع أسس ممارسة هذا النظام الجديد. ومن المهم الاشارة الى أن المحكمة الجنائية الدولية سوف تدار بواسطة جمعية الدول الأعضاء, التى تمثل كل الدول التى انضمت الى النظام الاساسى, بينما سيقتصر دور الدول التى وقعت عليها أو على وثيقته الختامية فى روما على وضع المراقبة) OBERVER STATUS), أما تلك الدول التى لم توقع قبل 31 ديسمبر 2000 فانها لن تشارك الا اذا وقعت وصدقت على هذا النظام. المحكمة الجنائية الدولية.. لماذا؟ أجمع الفقه الدولى على أساس مبادىء محكمتى نورمبرج وطوكيو على انه توجد أربع جرائم دولية كبرى لا يعاقب عليها القانون الدولى العام وحسب, بل يخضع مرتكبوها للاختصاص القضائي الدولى, وهذه الجرائم هى: جرائم ضد السلام, جرائم ضد الإنسانية, جرائم الحرب, والمؤامرة لارتكاب واحدة من الجرائم السابقة. فعلى سبيل المثال قام ممثلو الادعاء فى محاكمات نورمبرج بتعريف جنايات الحرب بأنها الأفعال التى ارتكبها المتهمون بالمخالفة لقوانين واعراف الحرب والاتفاقيات الدولية والقوانين الجنائية الداخلية والمبادئ العامة للقانون الجنائي المعترف بها فى كل الدول المتمدنة. وتعود هذه الجرائم الى القواعد العرفية التى سادت فى القرن التاسع عشر, ثم فى اتفاقيات لاهاى لعامة 1899, , 1907 ثم قائمة لجنة المسئوليات لجرائم الحرب لعام ,1919 ثم فى قائمة لجنة الأمم المتحدة لمجرمى الحرب عام , 1942 ثم فى لائحة نورمبرج (م6/ب) عام ,1945 ولائحة طوكيو (م5) عام ,1946 ثم المبدأ السادس من مبادئ نورمبرج, واتفاقيات جنيف الموقعة فى أغسطس ,1949 والبروتوكولين الملحقين بها عام 1977. وقد لوحظ أن اتفاقيات جنيف الأربع قد فرضت على الدول الموقعة أن تعدل تشريعاتها لمعاقبة مرتكبى هذه الأفعال, وقد قامت بعض الدول بوضع نص عام يعتبر انتهاك قواعد القانون الدولى جريمة, بينما قامت دول أخرى بتعديل قانونها الجنائي (عملا بنصوصها الدستورية القاضية بشرعية الجريمة والعقوبة), الا ان دولا أخرى موقعة لم تفعل أى شيء على الاطلاق. ومن المسلم به ان الدولة التى تتعهد بالتزام دولى معين, ولا تنفذه تعتبر مسئولة مسئولية دولية, كما انها بموجب القواعد التى ارستها لائحة نورمبرج وأحكامها فان المحكمة الدولية لا تتطلب نص داخليا وطنيا كى تحكم بموجبه المتمهمين فى تلك الجرائم, الا انه رغم ذلك يبقى أن المجتمع الدولى كان مفتقدا لنظام قضائي جنائي دولى. فالنظام القضائي الدولى الوحيد هو محكمة العدل الدولية, ولكن اختصاصها لا ينعقد الا برضا الخصوم, واشخاصها هم اشخاص القانون الدولى (أى الدول وليس الأ فراد), وأحكامها لا تنفذ جبرا الا عن طريق مجلس الأمن (ولدينا مايكفى من التدليل على ازدواجية معايير هذا المجلس, وغلبة اعتبارات السياسة فيه على اعتبارات القانون). وهكذا نشأت الحاجة الى انشاء محكمة جنائية دولية, كى تضع نظاما قضائيا يضمن وضع القانون الدولى الانسانى INTERNATIONAL HUMANITARIAN LAW موضع التنفيذ. أهم عناصر المحكمة الجنائية الدولية: يمكن تلخيص هذه العناصر فيما يلى: أنها نظام قضائي دولى ينشأ بإرادة الدول المنضمة الى الاتفاقية المنشئة للمحكمة. انها ذات اختصاص مستقبلى, لا تطبق أحكامها بأثر رجعى. إن اختصاصها مكمل لاختصاص القضاء الوطنى. ان تقتصر على ثلاث جرائم فقط (الابادة, جرائم ضد الإنسانية, جرائم الحرب). ان طبيعة المسئولية فيها هى المسئولية الفردية فقط. وهذه العناصر الرئيسية تمثل الهيكل الأساسى للمحكمة, وتتفرع عنها مجموعة من العناصر الفرعية التى سيتم تناولها تباعا فيما يلى: نظرة عامة: تعدد المادة الخامسة الجرائم الداخلة فى اختصاص المحكمة, وهى: جريمة الابادة, وجرائم ضد الانسانية, وجرائم الحرب. تحدد المادة السادسة جريمة الإبادة, كما تقع حاليا طبقا للمادة الثانية من اتفاقية الابادة لعام 1948. تحدد المادة السابعة الجرائم ضد الانسانية بالشكل الذى وردت به فى العديد من الاتفاقات الدولية والعرف الدولى, بإعتبارها أخطر الجرائم التى تهم المجتمع الدولى. وبنفس التحديد السابق تذهب المادة الثامنة فيما يتعلق بجرائم الحرب. وفيما يتعلق بجريمة العدوان, فطبقا للمواد 5/,2 ,121 ,123 فانها ستدخل فى اختصاص المحكمة بعد ان يتم التوصل الى تعريف محدد لها يقبله ثلثا الدول اعضاء المحكمة فى مؤتمر المراجعة الذى سوف يعقد بعد سبعة أعوام من دخول النظام الأساسى حيز النفاذ. وفيما يتعلق بقواعد الاجراءات فقد وضعت بالشكل الذى يحقق استقلالية وحيادية المحكمة وعدم خضوعها للاعتبارات السياسية, وبأن تكون للدول المسئولية الأولى فى الفصل فى هذه الجرائم اذا كان لديها القدرة والرغبة فى ذلك, وكذلك تحقيق التعويض المناسب للضحايا, وحماية حقوق المتهمين, ودور مجلس الأمن فى الحفاظ على السلم والأمن الدوليين, طبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وسوف تتكون المحكمة من الأجهزة الرئاسية التالية (م34): أ ــ الرئاسة. ب ــ غرفة المحكمة التمهيدية PER-TRIAL Division ج ــ المحكمة Trial Division د ــ الاستئناف Trial Division هـ ــ مكتب المدعى العام. و ــ مكتب المسجل. تقوم جمعية الدول الاعضاء بانتخاب القضاة بعد ان تقوم تلك الدول بتسمية مر شحيها (م36), وتكون مدة كل قاض تسعة أعوام (م36/9), وتكون معايير اختيارهم هى امكانياتهم الذاتية والاخلاقية والحيادية, والخبرة القضائية, والاختصاص الجنائي ومعرفة جيدة للغات عمل المحكمة الانجليزية/ الفرنسية (المواد 36/,3 50/ 2) كما تقوم جمعية الدول بانتخاب المدعى العام ونائبه بمعايير مشابهة لمعايير اختيار القضاة ( م 42), بينما يقوم القضاة باختيار المسجل (م 43/4) الذى سيكون مسئولا عن انشاء وحدة خاصة للضحايا والشهود (م43/6). يتمتع كل هؤلاء بالحصانات والامتيازات التى يتمتع بها رؤساء البعثات الدبلوماسية فيما يتعلق بممارساتهم الوظيفية (م48), ولكن يمكن لجمعية الدول الأعضاء أن تعزل القاضى أو المدعى العام بسبب سلوك خطير غير لائق أو انتهاك خطير لواجباته طبقا للنظام الأساسى (م46). يمكن للدعوى ان ترفع امام المحكمة الجنائية الدولية بثلاث طرق: أ ــ بواسطة احدى الدول الاعضاء (المواد 13/أ14,) ب - بواسطة مجلس الأمن بمقتضى الفصل السابع من ا لميثاق (13/ب). ت ــ بواسطة مبادرة من المدعى العام (المواد 13/ج, 15). ينشأ اختصاص المحكمة بعد دخول النظام الأساسى حيز النفاذ (م11/أ) وذلك اذا كانت الجريمة قد ارتكبت على اراضى احدى الدول الاعضاء, أو ارتكبها أحد مواطنيها (م12). وبالنسبة للدول غير الاعضاء, فيجوز أن تقبل اختصاص المحكمة لجرائم معينة ارتكبت على اراضيها أو بواسطة أحد مواطنيها, وذلك اذا وضعت دولة منها اعلانا لدى المسجل (م12/13). وبالنسبة للدولة التى تصبح عضوا بعد دخول النظام الاساسى حيز النفاذ, فإن المحكمة تمارس اختصاصها فيها يتعلق بالجرائم التى ارتكبت بعد دخول هذا النظام حيز النفاذ بالنسبة لهذه الدولة, الا اذا كانت قد وضعت اعلانا طبقا للفقرة السابقة (المواد 11/ب, 126/2). الا انه وفيما يتعلق بالدول غير الاعضاء فان المواد ,12 13 تعطى للمحكمة اختصاصا للنظر فى الجرائم التى تحال اليها بواسطة مجلس الأمن. بعض المسائل الخلافية: مسألة حصانة رؤساء الدول: تقضى المادة 27 من النظام الاساسى بأن رئيس الدولة أو غيره من المسئولين الذين يرتكبون جرائم تدخل فى اختصاص المحكمة, ليس لديهم حصانة ويمكن محاكمتهم. وذلك يتعارض فى واقع الأ مر مع العديد من النصوص الدستورية للدول التى تمنح الرؤساء وغيرهم من المسئولين حصانة قضائية. وفى الواقع ان عدم الاعتراف بهذا النوع من الحصانة يرجع الى قاعدة تم تطبيقها بعد الحرب العا لمية الأولى فى اتفاقية فرساى, وبعد الحرب العالمية الثانية فى ميثاق محكمة نورمبرج, وفى اتفاقية الابادة, كما تم تأكيدها من خلال عمل لجنة القانون الدولى وفى المحكمة الجنائية الخاصة بكل من يوغسلافيا ورواندا. ج ــ ويلاحظ أن مجلس اللوردات فى بريطانيا عند نظره موضوع رئيس شيلى السابق أوجستو بينوتشيه قد قرر أن ذلك الرئيس لم يكن لديه حصانة من أى نوع فيما يتعلق بجرائم التعذيب التى ارتكبت بناء على أوامر منه, لأن تلك الجرائم لا تعتبر جزءا من المهام الوظيفية لرئيس الدولة والتى يتمتع فى ممارستها بالحصانة. د ــ وللتوصل الى حل لهذه المعضلة الدستورية, فهناك عدد من الخيارات: تعديل دستورى يتضمن وضع استثناء على القاعدة العامة لحصانة الرئيس وغيرها من المسئولين, اذا ارتكب احدى الجرائم التى نص عليها النظام الاساسى للمحكمة الدولية. الاعتماد على التفسير الواسع للنصوص الدستورية, على اعتبار ان اقدام الرئيس أو غيره من المسئولين المحصنين لتلك الجرائم الخطيرة يعتبر فى حد ذاته انتهاكا للمبادىء الدستورية المعترف بها. استخدام مبدأ (التكاملية) بين اختصاص المحكمة الجنائية الدولية والقضاء الوطنى, وذلك بإيجاد الآلية القانونية الداخلية التى يمكن أن يخضع لها الرئيس أو غيره من المسئولين عند ارتكابهم مثل هذه الجرائم, وميزة ذلك انه قد يكون من الأفضل ان تتولى محاكمة كبار مسئوليها. * كاتب مصري