حتى المبالغة في بيانات الحرب تحتاج لنسبة من الحقيقة لكي تجد قبولا بمقدار ما لدى جمهور المتلقين. ولكن عندما تبنى مثل هذه البيانات على اساس كامل او شبه كامل من الادعاءات التضليلية الكاذبة فإن جمهور المتلقين لن يتجاوب معها. اقول هذا بمناسبة بيان حربي صدر خلال الاسبوع عما يسمى بالجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة جون قرنق جاء فيه ان قواته شنت هجوما مباغتا على منطقة (بنتيو) النفطية في جنوب السودان. وقال الناطق باسم حركة قرنق, وكان يتحدث من العاصمة الاريترية اسمرا ان قوات (الجيش الشعبي) وصلت للمرة الاولى الى هذه المنطقة (النفطية) وأحرقت ثلاث آبار نفطية. وبرر الناطق هذا الهجوم بقوله ان (الجيش الشعبي) يعتبر المنشآت النفطية اهدافا مشروعة (لأن عائدات النفط تساهم في تمويل المجهود الحربي للحكومة السودانية). ومن لا يملك معلومات كافية عن جغرافية النفط في السودان ربما يتكون في ذهنه انطباع بأن (بنتيو) هي المنطقة الرئيسية لانتاج النفط في السودان التي تعمل فيها ثلاث شركات اجنبية من كندا والصين وماليزيا مع شركة النفط السودانية. وهذه هي الكذبة التضليلية الكبرى في بيان (الجيش الشعبي) اجل.. (بنتيو) منطقة نفطية.. لكنها مهجورة, فالمنطقة التي يجري انتاج النفط فيها ليست في جنوب السودان. انها منطقة (هجليج) الواقعة في غرب البلاد ــ تحديدا داخل اقليم (كردفان) ــ هي المنطقة التي تنتج آبارها حاليا بمعدل 250 ألف برميل يوميا من الخام الذي يتدفق عبر خط انابيب عملاق ينطلق عبر اراضي السودان الشمالي الى ميناء التحميل على البحر الاحمر. لقد توقف النشاط النفطي في منطقة (بنتيو) في جنوب السودان منذ نحو 15 عاما.. وتحديدا في عهد الحكومة الحزبية السابقة عندما رأت الشركة النفطية الاجنبية التي كانت عاملة هناك, وهي شركة شيفرون الامريكية تصفية نشاطها نهائيا هناك بسبب هجمات قوات قرنق. وبعد ذلك طويت صفحة شيفرون في السودان لتأتي بعدها الشركات الثلاث المشار اليها حيث باشرت نشاطها الى اليوم في اقليم كردفان. ولهذا فإنه عندما يذكر بيان (الجيش الشعبي) ان قواته استطاعت (حرق) ثلاث آبار نفطية في منطقة (بنتيو) فإن العبارة تكون ناقصة, وبالتالي مضللة لأن البيان يحذف ذكر انها آبار مهجورة بلا قيمة. وعلى هذا النحو يكون حديث الناطق باسم (الجيش الشعبي) عن اعتبار المنشآت النفطية (هدفا مشروعا) حديثا بلا معنى. وفي تكملة هذا السياق يواصل الناطق قائلا ان عائدات النفط تساهم في تمويل المجهود الحربي للحكومة السودانية. وإذا اعتبرنا هذا كلاما عاما يشمل منشآت النفط السوداني عامة بما في ذلك المناطق خارج (بنتيو) فانه يبقى ايضا حديثا مبتورا عن عمد بغرض التضليل. فبالاضافة الى المجهود الحربي الحكومي فإن عائدات النفط تحقق للسودان اكتفاء ذاتيا من المحروقات كما انها تساهم بصورة فاعلة في تمويل فاتورة الواردات الاساسية من مدخلات انتاج وأدوية وقطع غيار... الخ. على ان هذا ليس المسألة الاهم. فالسؤال الاساسي هو: من هو الطرف الذي يصر على مد اجل الحرب الى الابد في جنوب السودان: الحكومة ام حركة قرنق؟ علما بأن عبارة (الحكومة) في هذا السياق يقصد بها كافة الحكومات التي تعاقبت على السلطة منذ عام 1983 عندما قامت حركة قرنق كتنظيم قتالي. لقد شنت الحركة الحرب عليها جميعها ودون استثناء. من حكومة نميري الى حكومة البشير عبورا بحكومة سوار الذهب الانتقالية وحكومة الصادق ــ الميرغني الائتلافية. كل هذه الحكومات, بما فيها الحكومة الحاضرة, لم يكن لديها مصلحة في استمرار حرب الجنوب. على العكس من ذلك فإن استمرار الحرب يترتب عليه ظروف اقتصادية سالبة في البلاد تهدد بقاء الحكومات نفسها.