من يقرأ يعرف لذة القراءة خاصة عندما يقع بين يديه كتاب يشهده ويستهويه, ومثلما تعتريه اللهفة لمتابعة قراءة هذا الكتاب, يتلهف ايضا وبالدرجة نفسها لعرضه على اكبر عدد من القراء, ولقد وقع بين يدي كتاب عن حياة الحبيب بورقيبة, رئيس الجمهورية التونسية السابق, الذي غادرنا مع نهايات القرن العشرين الذي شهد مولده وهذا الكتاب من النوع الذي يشد القارىء ويجعله يهرع اليه رغبة في استكمال قراءته. ومثل اي كتاب ممتع يشدك اليه شيئان رئيسيان: الموضوع والكاتب واحسب ان الصافي سعيد, مؤلف الكتاب يقف في صف كبار القامة من الكتاب التونسيين والعرب الذين يتصفون بالاسلوب الرشيق والتحليل الممتع, شأنهم شأن مجموعة من الكتاب العرب المشهورين, منهم ــ على سبيل المثال لا الحصر - الاستاذ محمد حسنين هيكل وسمير عطا الله, ومن الراحلين محمد التابعي والمنفلوطي, اقول ذلك وانا اعول هنا على طريقة السرد والرواية, بقطع النظر عن الموضوع. اما الموضوع الذي يتمحور حوله الكتاب المشار اليه - والذي صدر في بيروت اخيرا فيما يتجاوز قليلا اربعمئة صفحة من القطع المتوسط - فهو تاريخ كفاح الشعب التونسي ممثلا بتاريخ (المجاهد الاكبر) وعنوانه (بورقيبة سيرة شبه محرمة) وهو كتاب لا يتتبع فقط صعود وهبوط الحبيب بورقيبة, كما لا يذكر نقاط ضعفه ومصدر قوته, ولكنه يسرد فيما يسرد كفاح الشعب التونسي في معظم سني القرن العشرين المنصرم, وعلاقات هذا الشعب بجيرانه العرب, وبفرنسا والدول الكبرى وهي العلاقات التي جعلت من تونس الدولة التي نعرفها اليوم, بشعبها المضياف المحب للحياة وتجربتها الفريدة. لا يستطيع القارىء ان يخرج برأي قطعي فيما اذا كان مؤلف الكتاب يريد ان يمتدح مسيرة بورقيبة الطويلة او يذمها, فهو يعرض عليك هذا الحدث او ذاك, مستعينا بعدد وافر من المراجع والشهادات الشخصية, وهو بذلك يقدم للقارىء قاعدة واسعة وعريضة من المعلومات يستطيع من خلالها ان يفهم مسيرة هذا الشعب العربي وواقعه الحالي وربما يستطيع توقع شيء من مستقبل الاحداث المقبلة في تونس. ولكن ما شدني شخصيا في هذا السرد الجميل والمتتالي وشبه الموثق هو مجموعة النقاط المركزية ومنها التشابه الكبير بين حوادث تاريخية وقعت في تونس, وحوادث اخرى وقعت في بلاد عربية اخرى تكاد تماثلها, فالصراع الطويل الذي وقع بين قطبي الحركة الوطنية في تونس وهما الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف, والذي انتهى باغتيال الاخير في فرانكفورت في حجرة رطبة في احد الفنادق, هذا الصراع, الذي كان في اساسه صراعا على الزعامة والسلطة, تشكل بتجليات مختلفة ما بين وطنية واخرى عروبية, ولكن الدرس او الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا الصراع, هي ان سرير السلطة, لا يتسع لاثنين خاصة ان كانت سلطة غير محدد باطار حديث من الآليات التنظيمية لتقسيم السلطة فقد اتخذ بن يوسف فضاء لدعوته يتمثل في العروبة في الوقت الذي تصاعدت فيه الدعوة في المشرق ابان الخمسينيات بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر ردا على سياسات بورقيبة التي فسرت بأنها محلية وبعيدة عن التيار العروبي وقابلة للتسوية (مع المستعمر الفرنسي) ولكن الحقيقة التي اثبتها تسلسل احداث التاريخ بعد ذلك ان السلطة كانت هي محور الصراع بين الرجلين, كما كانت المكمن الرئيسي للخلاف والاختلاف لانهما ــ من ناحية اخرى ــ كان هاجسهما الاول هو استقلال تونس لا ربطها بآخرين مهما كان هؤلاء الآخرون. هذه النقطة الجوهرية التي تظهر في سرد الصافي سعيد للسيرة شبه المحرمة تكاد تتماثل عندما يتزاحم اثنان على سرير السلطة ويحتدم الصراع المكشوف او الخفي بين معسكريهما, فقد وجدنا هذا النوع من الصراع بين جمال عبدالناصر ومحمد نجيب ثم بين الاول- من بعد - والمشير عامر كما خبرناه في الصراع بين عبدالكريم قاسم في العراق وعبدالسلام عارف, ثم بين صدام حسين واحمد حسن البكر في مرحلة لاحقة, وبين احمد بن بيلا وهواري بومدين في الجزائر وهي ظاهرة سوف تواجهنا اينما التفتنا, فبعد التصفيات المختلفة يتفرد شخص على رأس السلطة, ثم يتحول الى دكتاتور صغير يعتقد ان رأيه الشخصي هو الصواب بعينه, فيخسر الوطن مرتين, مرة عندما يشتد الصراع الشخصي ويتحول الى حرب شبه اهلية صامتة او مستعرة ومرة عندما تتغلب فئة فتحرم الفئات الاخرى حتى من التنفس! ولعلنا نعيد تذكر الصراع بين عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف, حيث لجأ الاخير الى رفع راية الوحدة والعروبة في وجه المعسكر الآخر, ولكن عندما تهيأت له السبل بعد ذلك للحكم والسلطة, تبين ان هذه الشعارات كانت من اجل الاستهلاك فحسب. ومن تصاريف التاريخ العربي اللافتة - حسبما يؤكد المؤلف - ان سيد العراق عبدالكريم قاسم قد دفع بورقيبة باتجاه اكتساب العضوية في الجامعة العربية لتشكيل مركز ثقل مواجه لمركز الثقل الناصري. لقد كانت الاثنان بن يوسف وعبدالسلام - وربما غيرهما من القيادات التي كانت ولا تزال تلجأ الى الشعارات الكبيرة دون تحقيق ما ينفع الناس - مغلقين - حسب تعبير المؤلف على وطنيهما تونس والعراق, وهي قضية عانت منها كل مراحل التاريخ العربي الحديث. لعل النقطة الاخرى التي شدت انتباهي في المسيرة التونسية - وهي شبه مكررة في تاريخ استقلال الدول العربية الحديثة - انه لا يكاد الحكم الوطني يستقر حتى ينقلب على حلفائه ورفاق دربه القدماء في تطبيق متكرر (حتى بلغ حد اليقين) للمقولة المشهورة (ان الثورة تأكل أبناءها) ولو بقي الامر كذلك لربما فهم منه شيء, ولكن المؤلف يضيف انه خلال سنتين من الحكم الوطني قتل التونسيون من التونسيين اكثر من الف رجل وهو ضعف العدد الذي قتل خلال الثورة ضد فرنسا لمدة سنتين وهو رقم يفوق بأربع مرات عدد القتلى الذين ماتو منذ بداية فرض الحماية الفرنسية سنة 1881 الى بدء المفاوضات الاولى سنة 1954! ان كانت الارقام التي ذكرها المؤلف صحيحة فهي تقارب النسب التي حدثت في اماكن اخرى من ارض العرب وربما للاسباب نفسها والانكى انها مازالت تحدث بين ظهرانينا. بيد ان الشعب التونسي قد بذل بعد ذلك طوابير من الضحايا في سبيل الاستقلال الناجز, فقد قتل في يوم واحد خمسة آلاف روح تونسية في مسيرة باتجاه القاعدة الفرنسية بنزرت في الثلث الاخير من شهر يوليو سنة 1961 عندما حصد الرصاص الفرنسي هذا العدد الهائل من المسيرة المتدافعة باتجاه بنزرت وتركت جثثهم على الاسفلت في الطريق المواجه للقاعدة. كانت مجزرة ربما لا يتذكرها كثيرون اليوم, كما لا يتذكرون مذبحة ساقية سيدي يوسف التي قتل فيها ثمانون طفلا, هذا الى جانب ما قدمته تونس من مساعدة كبرى للثورة الجزائرية حيث احتضنت اراضيها اجنحة للمقاومة الجزائرية من مستشفيات وقواعد تدريب ومخازن وعتاد, قيضت جميعا لدعم قوات شعب الجزائر المحاربة, لقد قدم شعب تونس تضحيات كثيرة وعظيمة لنيل الاستقلال عن فرنسا. الكتاب يحمل تفاصيل كثيرة لا يمكن الاحاطة بها في عجالة كهذه كما يتضمن الكثير من الدروس التي يمكن الاستفادة منها اليوم ولكني لا اريد ان انهى هذه المقتطفات قبل ان اذكر مساعدة كبرى قدمها العاهل الراحل الملك عبدالعزيز بن سعود طيب الله ثراه, للكفاح التونسي والذي يصفه الكاتب بأنه (حاد كالسيف, وهش مثل العصا, وصلب مثل الحجر) ومساهمته مع الشعب التونسي هو مؤشر صغير - ضمن مؤشرات اخرى - لمساهمة قلب (الجزيرة) في حركة التحرير العربي, ولكنه مهم من حيث موقعه التاريخي فيما قدمته الجزيرة العربية في سبيل دعم استقلال بلاد عربية عدة, ابان الكفاح ضد المستعمر. يروي الكاتب ان بورقيبة قصد العاصمة السعودية في شهر يونيو العام 1951, ومعه محمد المصمودي, وعرض على الملك الراحل عبدالعزيز القضية التونسية وطلب المساعدة فاجابه الملك (نعم, يمكنكم ان تعتمدوا علينا) وعند العودة لبيت الضيافة, وجد بورقيبة بانتظاره بضعة آلاف من الليرات الذهبية, فاصبحت كلمة الملك تعادل ذهبا وقد صرفت الليرات بعد ذلك بملايين الجنيهات استخدمت لرفد الحركة الوطنية التونسية. لقد خطا بورقيبة, كما يقول المؤلف, خطوات عجلى في التنظيم الاجتماعي. وربما بايقاع اسرع مما يستطيع المجتمع التونسي ان يلاحقه, وكانت قراراته اسرع بكثير من حركة المجتمع, مما اسفر عن ردة فعل عكسية في نهاية حكمه, لقد اراد ان يقود المجتمع التونسي الى (الجنة التي يتخيلها) بالسلاسل وهو امر لا يمكن تحقيقه في اي مجتمع بصرف النظر عن الدوافع والرغبات. في موقع آخر ينقل المؤلف اعجاب عبدالناصر بمجلة (الاحوال الشخصية)التي قنن فيها بورقيبة للعلاقات الاجتماعية وربما شجعه ذلك الاعجاب, كما رشح بعد ذلك على ما طرحه سياسيا في الخطاب المشهور في اريحا, والذي توجزه مقولة (خذ وطالب) في شأن القضية الفلسطينية وهو الخطاب الذي نرى مضمونه يتحقق امامنا اليوم على الارض! مهما كان الانطباع الذي يخرج به القارىء من هذا الكتاب, الذي يتجاوز مجرد التاريخ لرجل الى الاحاطة بمسيرة شعب عربي (وهي مسيرة اصابت الكثير من النجاحات, كما واجهت الكثير من الاخفاقات) فسيظل الحبيب بورقيبة احد اهم القادة العرب في مرحلة التحرير من الاستعمار مهما كان نصيبه من الخطأ والصواب.