أخيرا.. ها نحن نتصفح الكتاب الذى أدرنا عليه ماسلف من نجوى الأحاديث.. (المصون فى سر الهوى المكنون) واضح أن المؤلف القديم (أبواسحق الحصرى القيروانى) كان بارعا والشهادة لله فى فن الاعلان ومهارة الترويج.. ولأن الكتاب يعرف من عنوانه كما يقولون فها هى كلمة (المصون) تعني الأمر المحجوب عن الآخرين, علم يضن به أهله عن غمار الناس. وذلك أول ارهاصات الغموض وليس هذا وحسب بل ها هو المؤلف البارع يضيف الى المصون كلمة (السر) وهل هناك ماهو أبرع من سر مصون أو مصان كى يجذب اهتمام القارئين ودراهمهم أو دنانيرهم لاقتناء الكتاب. وهم فى هذا مقبلون, بل متدافعون على دكاكين الوراقين وحوانيت النساخين لكى (يفوزوا) بمعرفة المصون من الأسرار.. التى لا ترتبط بعلم يصعب على الفهم أو فلسفة عسيرة الهضم فى الذهن أو الذاكرة.. بل هو, يامولانا, سر الهوى.. ليس هذا وحسب بل ان صانع الحصر الجميلة فى مدينة القيروان الزاهرة ينهى عنوان الكتاب بكلمة (المكنون) التى لا تفيد وحسب فى لعبة السجع حسب موضة ذلك العصر فى عناوين التصانيف.. بل انها تأتى لتكون آخر التنويعات على لحن السرد والغموض وبمنطق المخالفة يشتري الناس الكتاب.. أو بالأدق يحرص على اقتنائه المتأدبون, ومثقفو الحاكمين المتذوقون من السراة من أهل الوجاهة والامارة واليسار (نحن نتكلم عن اليسار بمعنى البحبوحة وسعة الثراء وليس عن اليسار الايديولوجى اياه الذى أصبح, وأصبحنا معه فى خبر كان وسائر أخواتها من أفعال الماضى الناقصة كما يقول النحاة). يروعك فى مستهل صفحات الكتاب مقدمة شارحه وناشره ومحققه الدكتور النبوى شعلان أستاذ الأدب والنقد فى جامعة عين شمس, الرجل يهدي هذا التحقيق العلمى الذى عكف عليه بحرص وتأن وبحب أيضا, الى (القائد الملهم.. مستجاب الدعوة..) وقبل أن يتجه خاطرك, والنفس أمارة الى أن الاهداء موجه الى جنرال من رجالات اليعاربة, أو إلى صاحب معالى أو الى من هم فى أعلى مرتبة أو حتى أدنى.. فى حياتنا العربية المعاصرة.. حيث كل قادتنا ملهمون وكل أصحاب الشوكة والسلطان فى دنيانا اليعربة تاريخيون.. حتى لا تساورنك كل هذه الأفكار فنبادر مع الدكتور شعلان لنقول ان الاهداء موجه الى القائد الجليل عقبة بن نافع الذى انشأ القيروان فكانت خيرا وبركة للعلم والأدب كما يضيف الأكاديمى الكريم صاحب هذا الاهداء. اذن فأول القصيدة نور وبركة وشرف وتجرد رفيع ولا عجب, فالدكتور النبوى عبدالواحد شعلان يحكي لك ضمن ملابسات هذا العمل العلمى, قصة جليلة وطريفة فى آن: كان يتصور وهو الجامعى الضليع أن كتاب (المصون..) قد ضاع واندثر ضمن آثار أبى أسحق الحصرى: كتب التراجم والوفيات التى اتت على ذكره كتب قديمة اساسا, وربما تكون عوادى الأيام قد اصابته ضمن ما أصابت الكثير من تراثنا العربى الاسلامى الحافل بالضياع أو النسيان فى أماكن مجهولة.. أو الحبس المتعمد فى أماكن معروفة, لكن ماشاء الله كان. هى مصادفة علمية وسعيدة أيضا أن كان الدكتور شعلان يراجع قاموس الاعلام للمرحوم خير الدين الزركلى (ت عام 1976) جزاه الله عن أجيالنا كل خير, فإذا بالاستاذ الزركلى (وكان يكنى بأبى الغيث كما قد تعى ذاكرتنا وهو علامة من سوريا وخدم العربية السعودية ثم انتقل الى جوار ربه فى القاهرة) اذا به يذكر فى لمحة أنه عثر على نسخة من كتاب (المصون فى سر الهوى) فى مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة. وتزداد المصادفة تألقا حين نعلم أن الاستاذ المحقق كان في مكة المكرمة فى مهمة علمية, وكان أن شد الرحال كما يقول الى المدينة فبدأ بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه ثم يمم الوجه شطر مكتبة عارف حكمت (تأمل بالمصادفة أيضا جمال اسم واهب المكتبة.. أو مؤسسها يجمع بين معرفة وحكمة) فاذا بها امام قبلة المسجد النبوى الشريف.. طلب الاستاذ الدكتور شعلان فهرس المكتبة.. وقع ناظره فى لهفة على اسم الكتاب فى الفهرس واحضروا له الكتاب فكاد كما يقول يبكى من الفرح.. وهاهو يصف المشهد قائلا: امتلأت عينياي بالدموع.. حتى اننى لم استطع القراءة لبعض الوقت.. وقد رأى ذلك الأخ القائم على أمر المكتبة.. فقال لى: مابك؟ قلت لا شئ ولكن قد يكون بعض القذى أصاب عينى. وما كان بعين الرجل قذى.. مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرفق بالناس وأشد حنوا على زائريها فما بالك اذا كانوا يرمون خيرا أو يقصدون اضاءة جوانب من مجالى التراث العربي وابداعات حضارة الاسلام. ونحن لم نسعد بمعرفة شخصية الدكتور النبوى عبدالواحد شعلان وقد انجز عمله الجميل الدقيق منذ نحو 12 عاما.. ومع ذلك فقد يطيب لى أن ألفت أنظار الناس.. الشباب بخاصة ــ الى أن أمتنا مازالت تحفل بل تعتز بمثل هذه الكوكبة من رجالات العلم ممن تفيض عيونهم من الدمع لا لفوزهم بمال أو حصولهم على جوائز أو لتقلدهم منصبا ينطوى على قدر يقل أو يكثر من جاه المنع أو سلطان المنح وهم بهذا أخلق وأجدر بل لأن منهم من لا يزال تجيش مشاعره وتستعجله عبراته لأنه عثر على كتاب من عيون ابداعات الأمة.. أو لأنه اتيح له تصحيح مفهوم كان غافلا عنه أو تطوير فكرة كانت مستعصية عليه. ولقد يسمح هذا القلم لنفسه بقدر أوسع من النجوى أو الافضاء ولو كانت, علم الله, الى الثرثرة أدنى وأقرب مع القارئ الكريم فصلا كنا قد نشرناه فى كتاب أصدرناه من سنوات ليشكل قراءة معاصرة أو مقاربة محدثة لعدد من عيون التراث العربى فى مجالات شتى من الابداع الانسانى مابين الأدب الى الدراما.. ومابين فلسفة أصول الحكم الى علم المالية العامة.. هناك صادفنا كتاب الأموال من تأليف (أبى عبيد القاسم بن سلام) المولود عام 774 للميلاد. وهو تلميذ أبى يوسف القاضى الشهير صاحب كتاب الخراج.. ومن ثم فهو يمتد بالنسب العلمى الى الامام الأعظم أبى حنيفة النعمان. يومها راعنى أيضا الكلمة التى قدم بها الاستاذ محمد حامد الفقي رحمه الله كتاب (الأموال) وكان الاستاذ الفقى من كبار محققى التراث. وقد حكى فى سياقها عن ما يشبه مغامرات دار الكتب القاهرية فى سبيل الحصول على نسخة من هذا السفر النفيس.. وكم بذلوا من جهود المراسلات والتحقيقات فى هذا السبيل الى أن يقول الاستاذ الفقى فى تصديره للكتاب: دخلت يوما على الاستاذ محمد عبدرب الرسول (الموظف فى قسم تحقيق التراث بدار الكتب) فلقينى متهللا يملؤه البشر وصاح بى قبل أن أصافحه: أبشر يافلان بذخيرة ظفرت بها اليوم دار الكتب. * قلت: وماهى بارك الله فيك وفى اخوانك؟ قال (وناولنى الكتاب) انظر هذا كتاب الأموال أصبح اليوم ملكا لدار الكتب, وسبحان من يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين, وقد حط الكتاب رحاله بعد طول الاسفار وكثرة التنقل, واليوم أقدم نسخته للتصوير الفوتوغرافى (كذا) وأوصى عليها, وكان هذا بالقاهرة وربما حدث المشهد قبيل منتصف القرن العشرين, وربما ترددت أصداؤه فى أواخر عقد الثمانينيات من القرن المذكور حين وقعت عينا الاستاذ الدكتور النبوى شعلان على كتاب (المصون) فكتب بدوره يقول. عرفت الكتاب, وأعتقد أنه عرفنى! بل اننى أكاد أظن أنه كان يستصرخنى راجيا أن أفك وثاقه وأعلن حريته وأن أجعله يمشى بين الناس مثل باقى الكتب, بل أكاد أظن ظنا أننى وعدته بذلك, وهاآنذا أفى بوعدى معه. مازلنا اذن ننعم بظلال وارفة حضارة تنعقد فيها آصرة بين باحث و.. كِتاب.. مازال للكتاب قيمة فريدة.. نبيلة وجليلة.. لدى البعض من الباحثين والعلماء فى هذه الأمة الطيبة ولأننا واقعيون فنحن أول من يعرف أن هذه القاعدة لا تسرى على الجميع, من ساستنا وعلمائنا ومفكرينا من تجذبهم أكثر أضواء الشهرة أو بريق الأموال أو صولجان السلطة أو على الأقل مدارج التقرب منها أو الزلفى الى أصحابها. ولكن منهم كما رأينا من لا يزال يجد للكتاب المطبوع والحرف المسطور.. والعلم المكنون مكانة سامية وموقعا سامقا فى العقل وفى الوجدان على السواء.. يستوى فى ذلك العلم المصون فى بطون الكتب أو فى اجواز فضاء الانترنت وأفئدة الحواسيب. وها نحن بعد سياحة الثرثرة هذه نصل الى ختام هذه السطور.. ولسنا نشك ان شاء الله فى ان سطورنا المقبلة, فى هذه الزاوية ستدور حول سطور الكتاب ذاته مستروحة جميل الشعر الذى سجله الحصرى القيروانى ولا سيما الأبيات التى جاءت معبرة عن مكنون النفس وجوهر المشاعر التى كانت فى تلك العصور الزاهية تجيش وتضطرم فى صدور الناس ولعلها فى هذه اللحظة لاتزال , فالناس هم الناس على اختلاف الاخطاب وتباين الأزمان.. أليس كذلك؟