من يقدر له الاطلاع على قرارات مجلس الجامعة العربية في كثير من دورات انعقاده, سيعثر على النص التالي: (نَظَرَ المجلس في تقرير المشرفين..) نقطة, انتهى. هذا مع أن التقرير المنظور فيه باقتضاب يلامس حَد التجاهل على النحو المذكور, يتعلق بكل الشئون الحيوية التي تخص اللاجئين الفلسطينيين, قضيتهم السياسية ومناحي حياتهم المعيشية في مناطق اللجوء العربي.. ولكن من هم المشرفين وما فحوى تقاريرهم؟ فور نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين, إنبرى النظام العربي ممثلا في جامعة الدول العربية, للتعامل مع تداعياتها ببعض الأجهزة ذات الطابع الإغاثي العاجل. فقامت لجنة فلسطين الدائمة ولجنة الخبراء الماليين والمجلس الأعلى لإغاثة اللاجئين. غير أن تطور المشكلة وديمومتها أبرز الحاجة الى آليات لها صفة الاستمرارية والشمول, لمعالجة الأبعاد المترتبة عليها. وهكذا, تم تكوين (إدارة فلسطين) في الجامعة منذ يناير 1954 وتصفية الأجهزة الأخرى السابقة عليها. وقد عَهَدت هذه الادارة لشعبة متفرعة عنها (بمهمة) العناية بشئون اللاجئين المادية والمعنوية ودراسة قابلية استيعاب مختلف المناطق ونوعية المشروعات المخصصة لتشغيلهم, ومعرفة مقدار الأعباء التي تتحملها الحكومات العربية, جراء قضية فلسطين ووجود اللاجئين في بلادها. ولكن ظهر بعد حين أن هذه الادارة وفروعها غير كافية للتخفيف من الصعوبات, التي تواجه اللاجئين بشكل مباشر في مناطق اللجوء العربي, وبدت الحاجة ملحة لوجود جهاز أكثر تماسا مع مجتمعات اللجوء في هذه المناطق.. وتمخضت الأفكار المتبادلة عن تكوين (مؤتمر المشرفين على شئون الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة), كجهاز يعقد لقاءاته بمعدل دورتين في كل عام في رحاب الجامعة العربية. ومناسبة الحديث الآن هو أننا بصدد الدورة الخامسة والستين لهذا الجهاز التي انعقدت امس الأحد في 28 يناير 2001.. وكانت الدورة الأولى قد عقدت في يونيو 1964 والواقع أن هذا الجهاز هو أهم المؤسسات العربية الجماعية المعنية بالحياة اليومية للاجئين, كالاقامة والتنقل والعمل والتعليم والملكية.. فهو إذن جدير بأن يتابع حقوق اللاجئين عن هذه الجوانب, لاسيما بعد أن صدر الميثاق العربي للاجئين (عموما) عام 1994 وأيضا جدير بأن يكون المرجعية التي تستأنس بها الدول العربية المضيفة للاجئين في تعاملها معهم. ولعل أهم منجزات هذا الجهاز الوثيقة المعروفة بـ(بروتوكول معاملة الفلسطينيين في الدول العربية), الذي أقره مجلس الجامعة في 10/9/1965 وتناول بعض الضمانات التي تيسر حياة اللاجئين في الملاجئ العربية من دون الانتقاص من حقوقهم السياسية في معالجة قضيتهم الوطنية.. ولكن ظلت هناك دوما مسافة بين النظرية والتطبيق, بين الضمانات الحقوقية المطروحة في إطار الوثائق والبروتوكولات, وبين السياسات الحقيقية تجاه اللاجئين. ونتج عن ذلك, أن اختلفت أوضاع اللاجئين بعدد الدول المضيفة. على أن أهم من هذه الملحوظة اللافتة, تطور صلاحيات مؤتمر المشرفين بمرور الوقت, حتى أضحى يضطلع بكل ما يخص القضية الفلسطينية من منظور النظام العربي, لقد بدأ هذا التحول في سبتمبر ,1974 حين قرر مجلس الجامعة العربية أن تمتد ولاية هذا المؤتمر الى مجمل جوانب القضية, سياسية كانت أم اقتصادية أم عسكرية.. فضلا عن تعقب النشاط الصهيوني بشتى أشكاله واعداد التدابير الفعالة لمقاومته.. وكانت هذه الأبعاد قبل ذلك من اختصاص أجهزة مختلفة, طلبت الجامعة العربية من حكومات الدول الأعضاء تكوينها بالخصوص في عام 1959 (قرار مجلس الجامعة ر قم 1954). ومؤدى ذلك, وجود جهاز قائم بالفعل ويعقد اجتماعاته بشكل منتظم, ولديه صلاحية التنسيق على الصعيد العربي فيما يتصل بالشأن الفلسطيني, وهذه قاعدة تصلح للبناء عليها في الوقت الراهن, الذي يعز فيه هذا التنسيق, بينما هو حاجة فلسطينية وعربية عاجلة. وقد يقال, بأن لجنة المتابعة العربية المنبثقة عن قمة القاهرة ,2000 تتولى هذه المهمة الآن. وهذا غير صحيح إلا بشكل نسبي فقط. فالمفهوم الذي اعتمد لهذه اللجنة, وفقا لمناقشاتها (إجتماع 10/1/2000 بتونس مثلا) أنها لا تمارس دور المرجعية لعملية التسوية بشكل ملزم. وبدا ذلك واضحا في بياناتها التي جعلت المفاوض الفلسطيني صاحب الكلمة الأخيرة بالنسبة لقضيته الوطنية. جهاز المشرفين يملك شرعية عربية قديمة ولديه اطلاع كامل على تطورات القضية الفلسطينية وأبعادها.. وهو أصدر حتى الوقت الراهن زهاء 600 توصية بخصوص هذه الأبعاد. وكل ما يتطلبه تفعيل هذه التوصيات أن يولي مجلس الجامعة عناية حقيقية به وبتوصياته, لا أن يكتفي بكلمة (نُظِر). ثم إن لقاءات المشرفين تجري على مستوى الخبراء, وهذا المستوى على أهميته, لا يرقى الى مرتبة بلورة قرارات, بما يعني ضرورة تطعيم الجهاز بمسئولين أعلى مكانة, كالسفراء والمندوبين الدائمين. علاوة على ذلك, فإن أعمال المشرفين وتوصياتهم تكاد تكون مجهولة بين يدي الرأي العام العربي, ولا سيما بين اللاجئين الفلسطينيين. وكل ما يعرف في هذا السياق, مجرد خبر جانبي مقتضب عند اجتماع الجهاز وبعد انفضاضه. بما يستدعي شفافية أكثر, اللهم إلا إن كانت هذه الاجتماعات بلا جدوى. وعندئذ قد يثور التساؤل عن الحاجة لها من الأصل. * كاتب فلسطيني ــ القاهرة