من المؤسف حقا أن نعبر الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية الجديدة أو الطارئة في حياتنا, فلا نحفل برصدها وتحليلها بالدرس والتمحيص واستخلاص الدروس المستفادة في معالجة مشكلات الحاضر وبناء المستقبل الأفضل, ونضرب على ذلك مثالين كمقدمة وتمهيد لمثال ثالث.. الأول (اجتماعي) ويتعلق بتصاعد معدلات جريمة الاغتصاب في بعض المجتمعات العربية بنسب متفاوتة , إذ رغم تكرار إرتكابها فرديا أو جماعيا, وقسوة العقوبة التي تتراوح بين الأشغال الشاقة والاعدام, إلا أنها عجزت عن استئصال تلك الجريمة جذريا, بينما المطلوب التصدي لها من منظور وقائي يعالج الظاهرة بشكل علمي لمعرفة أسبابها ودوافعها ودلالاتها, وتجفيف بؤرها الكامنة في أزمات الاسكان والبطالة والمغالاة في المهور ونفقات الزواج, وتحديث المؤسسات الدينية ووسائل الارشاد, واعادة النظر في نظم وبرامج التعليم والتربية والثقافة. ثم لماذا نستبعد عامل المؤثرات الخارجية الضارة مثل أفلام العنف, ومشاهد الجنس التي تبثها الفضائيات المشبوهة ومواقع الانترنت المتخصصة. المثال الثاني (سياسي) وأعني الانتفاضة الفلسطينية, فمنذ إنحسار المد القومي في الستينيات إثر نكسة يونيو 1967 ورحيل جمال عبدالناصر عام ,1970 لم تشهد الأمة العربية مثل هذا الزخم القومي الذي استعاد لحمتها وتلك المظاهرات الشعبية العارمة التي إندلعت من المحيط الى الخليج, فكان عقد قمة القاهرة التي وضعت الأنظمة العربية أمام مسئوليتها التاريخية ازاء دعم الانتفاضة, وما أدت اليه من اختلال الثوابت الصهيونية لأول مرة على مدى خمسين عاما من الصراع العربي الاسرائيلي, ألا تستحق هذه الظاهرة دراسة عواملها السياسية والشعبية والروحية, ومصداقية معادلة (ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة)! أما المثال (الثالث) فهو يشير بفخر وقليلا ما نفخر به وسط محيط هزائمنا واحباطاتنا الى ظاهرة معارض الكتاب التي اتسعت دوائرها لتشمل معظم العواصم العربية, وليس صدفة إذن معرض القاهرة الدولي للكتاب, فعهده دوما لم يخلف مع رواده موعدا للقاء الحميم على مدى 35 عاما تباعا, يحمل اليهم كما الحبيب الغائب من بساتين الدنيا ما فات من ورود الفكر والعلم والتنوير, وأزاهير الابداع من كل ألوان الفنون والآداب, ولاشك أن مشاركة 35 دولة في معرض 2001 ونحو أربعة ملايين كتاب, إنما يحتاج في انتظامه وتطوره وارتفاع معدلات التسويق الى دراسة ومناقشة جادة, فأي مصداقية إذن للإدعاءات المرسلة حول تراجع القراء أو انكماش سوق الكتاب أمام جذب القنوات الفضائية والانتشار الواسع لأجهزة التلفزيون والدش والفيديو والانترنت, وكيف يستقيم إتهام الأجيال الجديدة بالخواء الفكري والانصراف السياسي والثقافي, بينما عنصر الشباب يمثل الزبون الأول برعاية وعناية دور النشر والمؤسسات الثقافية عبر اختياراتها لعناوين ومضامين بضاعتها, أليس في هذه الادعاءات والاتهامات تجاوز لقانون العرض والطلب الذي يحكم السوق, وهل هناك ثمة إذعان في تواصل المعرض الذي يحكمه عقد ضمني يحقق مصالح طرفي العلاقة ايجابا وقبولا, وما سر ازدحام ندوات المعرض بالأجيال الجديدة والمشاركة في مناقشاتها بوعي وعلم وعمق, وكيف نفسر ولادة العديد من المبدعين الشبان في مجالات الشعر والقصة والبحوث من خلال تقييم النقاد والتنافس على الجوائز, ألا تشي هذه الاتهامات والادعاءات بدأب بعض المثقفين على جلد الذات, تكئة لتبرير قعودهم وهروبهم من العطاء وعجزهم عن الإبداع! والشاهد أن معرض القاهرة هذا العام دليل قاطع على فشل الدعوة الى مقاطعته وكل أنشطة وزارة الثقافة المصرية من قبل هؤلاء البعض من المثقفين, حين إستبدت بهم روح العدمية وانبروا الى السخط والاحتجاج على مصادرة ثلاثة من الكتب بدعوى اغتيال حرية الابداع, ونحن معهم من حيث المبدأ, وذلك إن الإبداع لا يحكمه قانون ولا أي سلطة, وإنما سلطان المجتمع وحده وقيمه الأخلاقية وتراثه الروحي الذي يأبى أدب الكباريهات أو أدب الفراش, والردة الى عصور الانحطاط, وبين الرواج والتنوير نحسب أن هناك فرقا وبونا شاسعا بين حرية الابتذال وحرية الإبداع! كاتب وصحفي مصري