اتخذت حكومات دول الاتحاد الاوروبي فرادى ومجتمعة تدابير حازمة لحماية جمهور المستهلكين الاوروبيين من لحوم الابقار التي يشتبه في انها قد تكون مصابة بمرض جنون البقر. لكنها لم تتخذ ما يكفي من اجراءات لحظر تصدير هذه اللحوم الى الاسواق الخارجية ــ ومن بينها بالطبع الاسواق العربية ــ فماذا فعلت الحكومات العربية؟ بمراجعة سجل السوابق نكتشف ان الحكومات العربية لا تأخذ مثل هذه المسائل مأخذ الجد. فهي اما ان تتخذ اجراءات خطيرة لا تعنى بمراقبة تطبيقها على الصعيد الواقعي او لا تتخذ اجراء اطلاقا. فقبل مشكلة لحوم الابقار التي تستورد من اوروبا الغربية كانت هنالك مشكلة الدجاج المجمد الملوث بمادة الديوكسين القاتلة. وفي عدد من الدول العربية عقدت اجتماعات واصدرت بيانات وشنت حملات على الاسواق المحلية. ولكن الحماس اخذ يفتر رويدا بعد اسابيع.. ولم يعد المستهلكون واثقين من ان الدجاج المجمد الذي يشترونه من الحوانيت صالح للاستعمال ام انه ضار بالصحة. ان خطورة مرض جنون البقر الذي يصيب ادمغة الابقار له نظير بشري يمكن ان يصيب ادمغة البشر الذين يتناولون لحما من ابقار مصابة. واصابة الابقار نفسها بهذا المرض تنتج عن تغذيتها بأعلاف حيوانية مركبة بصورة اساسية من لحوم وعظام بقرية مطحونة. اذن الخطر الذي تتعرض له الاسواق العربية ذو ازدواج ثلاثي. فقد تدخل هذه الاسواق ابقار حية مصابة او لحوم ملوثة او اعلاف مسببة للمرض. وتتجسم صورة هذا الخطر عندما نأخذ في الاعتبار حقيقة ان البلدان العربية تعتمد في اكتفائها الغذائي بنسبة 50% على الاغذية المستوردة. ان اسواق العالم العربي مترعة الآن بلحوم الابقار المستوردة من اوروبا بمشتقاتها من (سجوق) و(بيرجر).. ولا يعلم المستهلك العادي ما اذا كانت عمليات استيراد هذه اللحوم تخضع لتفتيش وتدقيق مختبري صارم. ومما يضاعف من خطورة الامر ان حكومات الاتحاد الاوروبي, في سعيها لتخفيف الاضرار المالية على المزارعين وأصحاب مصانع الاغذية في البلدان الاوروبية الناتجة عن مقاطعات جمهور المستهلكين في اوروبا للحوم البقرية, تشجع ضمنا عمليات تصدير هذه اللحوم الى اسواق بلدان اخرى لا تتوافر فيها تدابير صارمة بشأن اللحوم المستوردة. والقضية في الحقيقة اكبر من لحوم البقر ولحوم الدجاج و مرض جنون البقر والديوكسين. خذ مثلا السجاير: مع الاجراءات الصارمة المتتالية التي اتخذتها وتتخذها الدول الغربية لتقييد التدخين او تحريمه وما نشأ عن ذلك من دعاوى قضائية تعويضية بعشرات المليارات من الدولارات ضد شركات انتاج السجاير.. تقلص حجم السوق في الغرب في وجه هذه السلعة الخطيرة.. مما حفز تلك الشركات على التوسع في اسواق العالم الثالث. وقبل السجاير كانت هناك مسألة حليب الاطفال الرضع المستخرج صناعيا من حليب الابقار.. فبعد ان ضيقت السوق الغربية على شركات انتاج هذا الحليب بسبب اضراره الصحية توسعت امامها السوق الخارجية في العالم الثالث. في السنوات الثلاث الاخيرة ارتفعت الاصوات الاحتجاجية في عواصم الغرب ضد الشركات العملاقة متعددة الجنسية على اساس انها في سبيل تعظيم الربح تدمر اي حواجز اخلاقية تتعلق بالمحافظة على صحة البشر وصحة البيئة. وقد رأينا هذه الاحتجاجات تتحول الى صدامات جماهيرية مع الشرطة في مناسبات اجتماعات منظمة التجارة العالمية. فمتى تحتج جماهير العالم الثالث التي يهمها الامر اكثر من غيرها؟