كثيرون ممن يعتبرون أنفسهم حكماء او عقلاء من كبار السن واصحاب التجارب وغيرهم من اصحاب الثقافة والتنظيرات الجاهزة يجدون متعة في اتهام شباب هذه الايام بالتفاهة وفراغ العقل والروح والاندفاع، وراء الصرعات العجيبة من الملابس وادوات الزينة وتسريحات الشعر وانواع الموسيقى التي يميلون اليها, كما يحلو لهؤلاء الحكماء التأكيد بأن كل سلوكيات هؤلاء الشباب لا تعدو كونها استهتاراً بكل القيم والاخلاقيات. وبما ان سلة الحكماء لا تخلو ابداً, فإننا نكتفي بما اخرجنا منها, دون ان نتورط في القول بأننا ضد هؤلاء الحكماء او بأننا لا نحترم حكمتهم ــ لا سمح الله ــ لكننا فقط نحتاج لأن نتحاور حول هذه الاتهامات حيث تتردد (كل) هذه التهم في الوقت الذي نراهن جميعاً على هؤلاء الشباب مراهنة اذا خسرناها فقد خسرنا رهان المستقبل بأكمله. ان الذين يرسمون الصورة الخاسرة للرهان الصعب يقعون فريسة خطأين: التعميم الظالم اولاً, وتجاهل البحث عن جذور الاشكالية التي يقذفون بها على كاهل الشباب دون ان يتحملوا هم جزءاً من مسئوليتها. ورغم يقيني بأن الذين يكيلون التهم للشباب بهذه القسوة ينطلقون من مشاهدات وتجارب واقع ملموس, لكنني لا أصدق (كل) هذه التهم ولا أحب تعميمها لأنني اعرف الكثير عن الواقع الأجمل لهؤلاء الشباب, وعليه فلا أود ان انظر الى الجزء الفارغ من الكأس كما يفعلون. بصدق وبشجاعة علينا ان نعترف بأن ما يتعرض له الشباب من تحديات واحباطات واقع وحياة امر في غاية الخطورة وربما اكبر بكثير من قدرات الدفاع لديهم وامكانيات الحصانة, حيث للأسف لم نعمل معاً كمجتمع واسر ومنظومات تربية وتعليم واعلام على خلق سياج قوي نحمي به شبابنا مما يتعرضون له, في الوقت الذي فتحنا فيه كل الابواب والنوافذ ليدخل منها جيوش وجنود واسلحة الدمار الشامل التي وجهت كل جهودها للشباب وصولاً لهدم كل المجتمع بعد ذلك وبسهولة. وبصدق اقول ان الشباب مظلوم, ونظلمه اكثر اذا تمادينا في مراكمة المزيد من الاتهامات ضده, واظن بأن هناك الكثيرين ممن يسعون لتهميش دوره والهائه عن ادواره المطلوبة تجاه نفسه ومستقبله ووطنه بكافة انواع الملهيات والتفاهات وادوات التغييب العقلي والفني والاعلامي وصولاً للقضاء عليه تحقيقاً لمآرب في نفوسهم. ان المنطق يقتضي الاعتراف بوجود اشكالية خطيرة تتعلق بالشباب, كما ان العدالة تحتم النظر لهذه الاشكالية بمنطق جرد الحسابات, هذا الجرد الختامي لابد ان يتناول كل المتغيرات والمستجدات التي تغلغلت في نسيج المجتمع وقادت لكل هذا الزلزال الذي نشهده ونعيشه ونعانيه وينعكس علينا وعلى شبابنا بشكل اكثر وضوحاً في ظل غياب نظرية تربوية تعتنقها الاسرة, وفي ظل انعدام رؤية تعليمية ثابتة, او سياسة اعلامية صحيحة, او تبني لقضايا الشباب بشكل صارم وجاد وفق خطط ومناهج وثوابت ومتابعات ومساءلات ايضاً. ان شبابنا جزء من هذا العالم, وهم ينتمون لطور خطير من اطوار الخلل او التغير الاجتماعي الاقتصادي الثقافي (الكوني) اشد عنفاً وقسوة وشراسة من ظروف الماضي بكل بساطة تفاصيله وبكل فقره وحاجاته التي عايشها اجدادهم, ان تحديات اليوم اشد من تحديات البحر والبر التي عاشها الاوائل, حيث لم يتسلط عليهم اعلام دولي مدمر, ونظريات اخلاقية فاسدة, وترف غير مقنن, وضياع وقلق وفقدان هوية و... ان مجتمعنا بقدر ما يوفر فرصا للتعليم والتوظيف فإنه يموج بتناقضات لا حصر لها توفر فيما توفر للشباب فرصا للتحرر والانفلات والانحراف ومجانا احياناً وعلى قارعة الطريق في احيان كثيرة.. فعلى من يقع اللوم يا ترى؟!