للطابور في دول العالم الثالث همومه وإسقاطاته وعذاباته التي جعلت مفهوم الواسطة يعني القوة في تجاوز الدور وإنجاز المهمة على الرغم من عدم اكتمال اوراق صاحب الشأن, وفي كثير من الأحيان كسر الطابور يعني المرأة, وهي تلك اللحظة الوحيدة التي غالبا ما كنت أتمنى أن أتساوى فيها مع المرأة حيث كنت أغبطها على إنجازاتها السريعة وإن كنت أحيانا أحسدها على فنجان القهوة الذي تحتسيه في حسن وفادة الموظف. وغالبا ما يتم ذلك تحت حنق المصطفين والمصطكة أسنانهم ضعفا وغيظا و تزلفا أحيانا, ولكن الامر مختلف تماما في الحكومات الإلكترونية. وما جعلني أقول ذلك أنني إضافة إلى عقدة الإجراءات البيروقراطية الطويلة التي أخشاها مثل كوابيس طوابير الخبز في أفغانستان أو ورق (التواليت) في الاتحاد السوفييتي سابقا أو الدجاج المثلج في الجمعيات التعاونية المدعومة من قبل حكومات الدول النامية, فإنني ماهر في تأجيل معاملاتي الرسمية وكذلك (مضطر) لدفع الغرامات المترتبة على هذا التأخير. ومؤخرا وبعد انتهاء صلاحية ملكية سيارتي وبوليصة تأمينها منذ عامين وقيام شرطي المرور بتحرير مخالفة مرورية استحققتها بجدارة, عزمت الأمر أن أخوض كابوس الطابور وفي ظني أن يوما أو يومين سيذهبا سدى في مطاردة معاملتي من بين أيدي موظفي المرور. ولكن الأمر بدا مختلفا هذه المرة في مرور دبي, فمنذ اللحظة الاولى التي حصلت فيها على رقم متسلسل مقرون بتسجيل قاعدة بيانات تتضمن كافة بياناتي الشخصية والمهنية والتاريخ الفني للسيارة وبياناتها الرسمية. عندها تلقفني ( أو بمعنى أصح تلقف سيارتي) الموظف المختص, وهنا انتهى دوري, وعندها أوعز لي بالذهاب إلى قاعة الاستقبال لاستلام نتيجة الفحص الفني واستكمال الاجراءات, وحيث أنني ما زالت لدي رواسب عقلية الطابور التقليدي بما يحتمله من ملاحقة دوري بنفسي فقد رفضت أن أفارق سيارتي لئلا يتم اغتصاب دورها, وبينما اتحسب أن ثمة من سيأخذ دوري ويلقي بي في زمن الانتظار غير النهائي أدهشتني القدرة الفنية العالية للموظف الميكانيكي في استخدام الكمبيوتر وذلك بادخال بيانات نتائج الفحص الفني من شاشات الأجهزة وليس لوحة المفاتيح. وهنا انتهى الأمر لأجد نفسي مضطرا لتطبيق مفهوم الحكومة الالكترونية لأستلم كافة البيانات من قاعة الاستقبال التي أشار إلي بها (الميكانيكي المحوسب). وهذا ما حدث بالفعل فقد كان ذلك في أقل من عشر دقائق وفي اللحظة التي دفعت فيها الرسوم وغرامات التأخير المستحقة هي ذات اللحظة التي تمت فيها الطباعة الإلكترونية للملكية الجديدة لسيارتي القديمة متضمنة شيفرة رمزية (كود) تتم قراءتها ضوئيا مقرونة بكل المعلومات التي تخص المالك والسيارة. حينها أدركت أنها حقا قاعة استقبال سريعة وليست انتظاراً للقلق دون نهاية كما كنت أخشاها. إنه درس بسيط في مفهوم الحكومة الالكترونية والتي يعتمد على تسيير العمل ضمن آليات مضبوطة وسريعة وعادلة. وبعد ذلك عدت إلى عملي لأغرق في دورة الانتاج دون تأخير تسببه الطوابير والواسطات وسطوة النساء. وحتما في السنة المقبلة سأقوم بتجديد ملكية سيارتي في موعدها دون مرافقة كوابيس الانتظار.