كانت أمسية جميلة ضمّت عدداً من المثقفين والأدباء والشعراء, وكان الحديث ذو الشجون يتشعب وينتقل من موضوع إلى آخر حين طرق أحد الحضور باب اللحظة التي ينسى فيها الأديب أو الشاعر نفسه فيتجاوز الحدود التي يفترض أن يقف عندها لا سيما تلك التي للعقيدة والدين بها صلة. وأخذ كل واحد من الحاضرين يستشهد بما يحفظ من أبيات لم يخرج معظمها عن شعر مجنون ليلى وأبي نواس, ولكل منهما معشوقته التي نعرف وتعرفون, حتى انبرى أحد الأصدقاء مستشهداً بأبيات لأمير الشعراء أحمد شوقي في حب الوطن لو قيلت اليوم لكانت سبباً في إهدار دم الشاعر أو نفيه ثانية من وطنه طائعاً مختاراً أو رغماً عنه قبل أن يحلّ به ما لا يحمد عقباه. وكانت الأبيات من قصيدة شهيرة لأمير الشعراء قالها بعد عودته من منفاه ببلاد الأندلس, وقد أشاد فيها بذكر تلك البلاد شكراً لها وعرفاناً بجميلها, ثم انتقل إلى استقبال بلاده بعد تلك الغيبة الطويلة .. يقول شوقي في هذه الأبيات: ويا وطني لقيتُك بعدَ يأسٍ كأنِّي قد لَقِيْتُ بك الشبابا وكلُّ مسافرٍ سَيَئُوبُ يوماً إذا رُزِقَ السلامةَ والإيابا ولو أني دُعِيْتُ لكنتَ دِيني عليه أُقابلُ الحَتْمَ المُجابا أُدِيْرُ إليكَ قبلَ البيتِ وجهي إذا فُهْتُ الشَّهادةَ والمتابا غير أن تعجّب صديقنا من جرأة الشاعر وتسامح أهل زمانه معه وعدم تعليق المشانق له قابلته ملاحظة لطيفة من صديق آخر وجّه بها دفة الحديث ناحية أخرى حين أبدى استغرابه من اعتبار الأندلس منفى وهي التي عرف عنها جمال الطبيعة واعتدال المناخ وما احتوته من آثار الحضارة العربية الأندلسية مما جعلها بحق تستحق لقب فردوس العرب المفقود, ومع كل ذلك لم تستطع أن تنتزع من قلب الشاعر حبه لوطنه الذي نفي منه, بل ان جمالها أوقد في قلبه شعلة الحنين الجارف لوطنه ففاض شعره بذلك الحب قصائد كُتب لها الخلود في ذاكرة الأجيال, ومن منا لا يتذكر أو يحفظ هذه الأبيات الخالدات؟: يا ابنةَ اليِّم ما أبوكِ بخيلٌ ما لَهُ مُوْلَعاً بمنعٍ وحبسِ؟ أحرامٌ على بلابلهِ الدَّوْحُ حلالٌ للطيرِ من كلِّ جنسِ؟ كلُّ دارٍ أحقُ بالأهلِ إلاّ في خبيثٍ من المذاهِب رِجْسِ نَفَسي مِرْجَلٌ وقلبي شِراعُ بهما في الدموعِ سِيْرِي وأرْسِي وطني لو شُغِلْتُ بالخُلْدِ عنهُ نازعتني إليه من الخُلدِ نَفْسي هكذا تعبّر الشعوب عن حبها للوطن وارتباطها به على ألسنة شعرائها وأدبائها فيصبح لقصائدهم وكلماتهم فعل السحر, وتتفجر في نفوسهم محبة الوطن الكامنة عندما تحركها الأزمات والشدائد, كأنما الواحد منا لا يعرف قيمة الشيء الذي في يده حتى يصبح هذا الشيء مهدداً بالانتزاع منه أو يصبح هو مهدداً بالابتعاد عنه, وهنا تثور المشاعر الدفينة وتتحول إلى سيل جارف يقتلع في طريقه كل شيء, ويثور في داخل الإنسان بركان هادر يقذف بحممه فتحرق ما حوله وتحيل ليله نهارا. في روايتها التي تحولت إلى قضية ومشكلة لم تجد طريقها للحل بعد, تقول الأديبة البنغالية المثيرة للجدل (تسليمة نصرين) على لسان أحد أبطال روايتها (لاجا) التي تعني (العار) في اللغة البنغالية: ــ (في النهاية طين الوطن ليس مثل طين أصيص الزهور الذي يمكن ريّه بالماء كل يوم وتغييره بانتظام). وانسجاماً مع الجدل الذي دار حول الرواية ومؤلفتها بعد إدانة محكمة دكا للكاتبة والحكم عليها بالسجن لمدة عامين بتهمة الكفر والإساءة للإسلام, سوف نختلف مع الكاتبة وطريقة معالجتها لموضوع روايتها التي تدور حول التمسك بالأرض في ظل خلاف عقائدي غذّته أحداث طائفية في بلد مجاور, كما سنختلف حول معالجة أمر الاختلاف مع أفكار الأديبة الشابة الذي فرضته أفكار أصولية دفعت الآلاف إلى الخروج في مظاهرات تهتف بشعارات تلعن الكاتبة وتطالب بقتلها إلى الدرجة التي هدد معها أحد المتطرفين بإطلاق آلاف الثعابين السامة في المدينة إذا لم تعدم (نصرين), بينما هتف البعض في مظاهرات سبقت الحكم عليها: (اكسروا ساقيها! اكسروا ساقيها!) وطالبت مجموعة من شيوخ القرى البنغالية بشنقها خلال خمسة عشر يوما. سوف نختلف حول كل ذلك ولكننا سنتفق على فكرة التمسك بالوطن وطينه الذي لا يمكن تغييره بانتظام مثل طين أصيص الزهور كما يقول (هاريبادا) إحدى شخصيات رواية (تسليمة نصرين) وهو يفكر بالرحيل عن بلده, فيرد عليه بطل الرواية (سودهاموي) بعنف: (لا علاقة للأمر بقدر المال أو الفرص المتاحة لك, حتى لو لم تكن تكسب الكثير فليس من الصواب أن ترحل, أليس هذا بلدك؟... الذين يتركون بلادهم ليس لديهم إنسانية). هكذا عبرت الكاتبة عن أفكارها من خلال شخصيات روايتها, ومع ذلك فقد وجدناها في النهاية تفرّ من وطنها بعد صدور الحكم عليها عندما أتيحت الفرصة لها للسفر إلى النرويج لحضور مؤتمر عن حرية الرأي, ومن يومها لم تعد إلى بلادها, فقد طلبت اللجوء السياسي في أوروبا واختارت العيش بعيداً عن الطين الذي تحدثت عنه, وهي النهاية نفسها التي اختارتها لبطل روايتها عندما جعلته يقرر الرحيل عن الوطن بعد أن قاوم طويلاً اتخاذ قرار كهذا, ولكنه في النهاية نطق به لابنه: ــ (كان صوته يتكسر والخجل يغمره ولكنه نطق بها, أجبر نفسه على قولها. أجبر نفسه على أن يقول إنهم راحلون, وأدرك أن هذه هي الوسيلة التي يجب أن ينتهي بها الأمر, لأن الجبل القوي الذي بناه داخل نفسه كان يتضاءل يوماً بعد يوم). تُرى.. أي اختلاف ذلك الذي يمكن أن نراه بين طين وطين أو بين تراب وتراب؟ وأي عبق ذلك الذي يمكن أن نشم رائحته في ذلك الأديم ونفتقده في غيره؟ إنها رائحة العلاقة الحميمة بالمكان, وصدى الماضي الذي تصدح به ذاكرة الزمان, عندما يمتد أمام أعيننا شريط طويل من الذكريات أجملها تلك التي تأتينا من أيام الطفولة والشباب والطهر والبراءة وإقبال الحياة الذي لا ندرك قيمته إلاّ والحياة مولية مدبرة وقد أفلت الزمام من أيدينا ولم يعد لنا منها سوى الأطلال نقف عليها ولا حيلة لنا سوى البكاء والتأسي, وعن ذلك سَلْ شعراءنا الأولين ففي معلقاتهم وقصائدهم ما يفي بالحاجة ويزيد. وإذا كانت الغربة والنفي القسري أو الاختياري عن الوطن قد جمعت بين شوقي وتسليمة وأبطال روايتها, فإن غربة من نوع آخر ــ هي أشد قسوة ــ قد فرضت نفسها على البعض, إنها الغربة داخل الوطن.. ولذلك قصة أخرى الحديث عنها يطول, ولكنه حديث ــ إن شاء الله ــ موصول.