... وهكذا سمحت الحكومة الجديدة في الفلبين للرئيس المخلوع جوزيف استرادا بالمغادرة الى الخارج اذا رغب رغم ان هناك تحقيقا جنائيا يجري معه على اساس اتهامات بالفساد المالي تصل عقوبتها في حالة الادانة الى الاعدام. وإذا اخذنا في الاعتبار مدى النفوذ الذي تمارسه الولايات المتحدة تقليديا على اجهزة السلطة العليا في الفلبين لمدى اكثر من نصف قرن فإن هذا التحول الذي يبدو فجائيا في مسار قضية الرئيس استرادا لابد ان يكون تدبيرا امريكيا وفق مخطط موضوع سلفا. فلماذا تحرص واشنطن على انقاذ رئيس فاسد مغضوب عليه من جماهير شعبه ومطلوب قانونيا؟ لنستذكر اولا ان انقاذ استرادا على يد الولايات المتحدة ليس حالة استثنائية سواء فيما يتعلق بالفلبين نفسها او ببلدان اخرى في العالم الثالث. فقد دبرت الولايات المتحدة فرارا مأمونا للرئيس الفلبيني الاسبق فيردنالد ماركوس في عام 1986.. وقبله شاه ايران رضا بهلوى في عام 1979. والرئيس السوداني جعفر نميري في منتصف الثمانينيات والرئيس النيجيري الجنرال ابراهيم بابنجيدا في أواخر الثمانينيات والرئيس الكونغولي الجنرال موبوتو عند أواخر التسعينيات. كل هؤلاء وغيرهم كانوا سيواجهون اخطر اتهامات الفساد وتبديد الاموال والقتل لولا تدخل امريكي في آخر لحظة لانقاذهم. بمساعدة امريكية تمكن ماركوس من الفرار الى الخارج على خلفية غليان في الشارع الفلبيني.. وغادر الشاه نهائيا بعد ان بلغت الثورة الايرانية ذروتها.. ولجأ نميري الى مصر.. وغاب بابنجيدا مؤقتا قبل ان يعود الى البلاد بعد ان اسقطت عنه الاتهامات.. وفر موبوتو بعد ان اقتحمت القوة المتمردة المسلحة العاصمة الكونغولية كنشاسا. ولنعد الى السؤال: لماذا تحرص واشنطن على انقاذ مثل هؤلاء الرؤساء الفاسدين من مصير هم جديرون به شرعا؟ هناك ثلاثة عوامل مهمة تحتم على الولايات المتحدة ان تتدخل على هذا النحو.. وهي: أولا: انقاذ حياة حاكم عميل. ثانيا: تمكين الحاكم العميل من التمتع بالثروة الحرام التي جمعها والعيش بمستوى ممتاز لبقية عمره في المنفى استغلالا لأرصدته في حساباته المصرفية السرية في الخارج. والا فمن يقبل لنفسه ان يكون حاكما عميلا للولايات المتحدة راعيا لمصالحها في وطنه اذا كانت واشنطن لا تضمن له نجاة عند نهاية المطاف وفي اللحظات الحاسمة؟ وكذلك من يرتضي لنفسه ان يلعب الدور نفسه اذا كان يدرك سلفا ان واشنطن ربما تضمن له حياته ولكن لا تضمن له الاستفادة من حساباته الخارجية؟ ضمان الانقاذ من الموت مع ضمان الاستمتاع بالثروة هما اذن المكافأة التي يتوقعها العميل كحد ادنى نظير المخاطرة الجسيمة التي يركبها كحاكم مكروه شعبيا. ثالثا: بتجنيب العميل المثول امام محكمة ليواجه اتهامات ذات طبيعة مالية وطبيعة سياسية وطبيعة امنية تضمن الولايات المتحدة عدم اذاعة اسرار خطيرة قد تفجر فضائح تؤدي الى تورسط واشنطن نفسها او على الاقل تسيىء الى سمعتها الدولية كقوة عظمى فتسبب لها حرجا عظيما هي في غنى عنه. والواقع ان الولايات المتحدة تتستر على مسلك الحكام العملاء في العالم الثالث طوال فترة بقائهم على السلطة. انظر حولك في ارجاء العالم الثالث من امريكا الجنوبية الى آسيا مرورا بأفريقيا وستجد ان الانظمة العميلة للولايات المتحدة مستثناة تماما من التنديد الامريكي الرسمي بشأن اوضاع حقوق الانسان رغم سوء سجل هذه الانظمة. وهكذا تتغلب قاعدة المصالح على قاعدة المبادىء.