لا اعتقد ان دولة, او مجموعة, أو منظمة اقليمية في العالم, تهتم بتغير الرئاسة الامريكية, كما يتعامل العرب مع هذا الحدث. ولا يقتصر الاهتمام على السياسيين العرب, بل يمتد ليشمل كل اجهزة الاعلام العربية, الرسمية والخاصة, بحيث يغطي على مدى الساعات الاربع والعشرين, ولأيام عديدة, وربما لأشهر. كما لا يتوقف الاهتمام عند توجهاته السياسية والاقتصادية نظرا لما لها من تأثيرات على الوضع الاقليمي والدولي. بل تفرد البرامج والصفحات للحديث عن مأكله ومشربه وملبسه, واهتمامات زوجته وبناته, وديكورات مكتبه وألوانه المفضلة, الى اخر ما هنالك من الامور الشخصية. وقد وصل الامر ببعض العرب حتى بات يشغلهم, ويقض مضاجعهم التفكير بما هو اقل من ذلك بكثير كانتخابات رئاسة الحكومة الاسرائيلية, وربما انتخابات بلدية في مكان معزول من العالم. قد يرى البعض ان هذا امر طبيعي, باعتبار العالم اصبح شديد القرب بعضه من بعض في ظل تطور وسائل المواصلات والاتصالات, وفي ظل التبادل, والتكامل الاقتصادي, وبالتالي فمن الطبيعي ان ينعكس اي تغيير يتم هنا او هناك, تأثيرا وتأثرا, على اي مكان في العالم. وفي مثل هذه الحال, يصبح الاهتمام بالتغييرات في بلد كالولايات المتحدة الامريكية, اكثر طبيعية ومنطقية, كما يقول المنشغلون كثيرا بالموضوع, باعتبارها الدولة الاعظم في العالم, والتي تمتد اذرعها القوية العسكرية والاقتصادية والثقافية والاستخبارية الى مختلف مناطق العالم, وبلدانه, وبخاصة المنطقة العربية التي يفوق الوجود والنفوذ الامريكي فيها ما هو قائم في اية منطقة اخرى. ولو كان الاهتمام الرسمي العربي بالحدث الامريكي يرجع لهذه الاسباب التي تبدو موضوعية, او يقف عندها, لأمكن تفهم الامر. لكن الموقف العربي يتجاوز هذه الاسباب. فالنظام العربي الرسمي, في معظمه, سلم بنظام الهيمنة الامريكية, ولا نلحظ اي جهد فعال لمحاولة الخروج من دائرة الهيمنة الامريكية او التخفيف منها, حتى كدنا نعتقد ان رغبة الخروج من دائرة الوصاية الامريكية لا تتوفر لدى بعض العرب في حين ان أوروبا مثلا, وهي الحليف الاقرب للولايات المتحدة, تضيق بالهيمنة الامريكية, وتحاول الخروج من دائرتها, من خلال محاولاتها الجادة لبناء وحدتها الاقتصادية والسياسية والثقافية, التي قطعت فيها شوطا بعيدا, وذلك لتستقوي ببعضها بعضا, وتشكل كتلة موحدة وقوية تستطيع الحد من النفوذ الامريكي وهيمنته عليها. وروسيا المنهكة الفقيرة, المدينة, المحتاجة لمساعدة رأس المال الامريكي, والبنك الدولي, لا تترك فرصة لمقاومة النفوذ الامريكي والتصدي له الا وتحاولها حتى لو لم تنجح ولكنها لا تكف عن المحاولة, والسعي لايجاد مواقع وتحالفات على الصعيد الدولي تساعدها على التصدي لهذه الهيمنة. والصين ايضا, معتمدة على سياساتها الاقتصادية الداخلية الصحيحة والناجحة, فرضت على الولايات المتحدة احترامها, وتصدت لكل محاولاتها استخدام مسألة حقوق الانسان ذريعة لإدانة الصين او معاقبتها, بل اجبرتها على ان تمنحها صفة الدولة الاولى بالرعاية. بل ان دولة تنتمي الى نادي الفقراء في العالم الثالث, كالهند, نجحت في ان تنضم للنادي النووي الدولي متحدية كل التحذيرات والتهديدات الامريكية. والقاسم المشترك بين جميع هذه الدول, مع الدول المسماة بالنمور الاقتصادية في جنوب شرق آسيا, هو السياسات المستقلة القائمة على تقديم مصلحة شعوبها على اية مصلحة اخرى التي تنتهجها هذه البلدان. بينما ترسم دولنا العربية سياساتها ــ ان كانت لها سياسات ــ على قاعدة الرضا والغضب الامريكية, وتفصلها على مقاس النفوذ الامريكي, وانسجامها, او توافقها معه. وبمعنى آخر ألغى النظام العربي الرسمي دور العامل الذاتي, وإمكانياته وقدراته على التأثير في الواقع الاقليمي والدولي لصالح الوضع العربي. واعتمد سياسة تقوم على الرهان على العامل الخارجي, والاعتماد عليه في حل مشاكلنا الداخلية والاقليمية, كما هو حاصل في موضوع الصراع العربي الصهيوني. وبذلك يتصرف العرب وكأن ارتباطهم بالوضع الامريكي هو ارتباط مصيري يحدد مستقبلهم. وعليه فهم يتابعون بدقة, او قل بلهفة, ما يجري على الساحة الامريكية من تغيرات. هذا الفهم لطبيعة العلاقات العربية الامريكية, هو فهم مقلوب ذلك ان الولايات المتحدة بحاجة للعرب اكثر مما هم بحاجة اليها, ومصالحها لديهم اكثر من مصالحهم لديها, ولو استخدم العرب ما لديهم من امكانيات وقدرات ذاتية, بما ينسجم مع مصالحهم ومصالح شعوبهم وقضاياها, لصاروا هم موضع الاهتمام الامريكي والعالمي, واكتشفوا قيمتهم ودورهم في السياسة الاقليمية والدولية. يتساءل العرب كيف سيتصرف الرئيس الامريكي الجديد وادارته تجاههم وتجاه قضاياهم, وبالذات تجاه قضية فلسطين, وحقوق العرب التي تنتهكها اسرائيل, خاصة وأنه يأتي بعد رئيس استهان بحقوقهم على مدى ثماني سنوات. ولو توقف العرب عند الجهات التي وقفت وراء مجيء الرئيس الامريكي الجديد, ومولت حملته, لأدركوا مدى قدراتهم على التأثير في سياساته و توجهاته ــ إن رغبوا في ذلك ــ فاختيار الرئيس الامريكي لا يتعلق بشخصه وقدراته, ولا بعلمه او جهله بالسياسات الداخلية او الخارجية, وإنما يعتمد على وجود (لوبي) او مجموعة مصالح نافذة ومؤثرة معنويا واقتصاديا وسياسيا يدعمه فيأتي به رئيسا. فاللوبي الاقتصادي في كاليفورنيا, مثلا هو الذي جاء برونالد ريجان, على جهله وضعف ذاكرته. ولوبي المزارعين في جورجيا, هو الذي جاء بجيمي كارتر, على سذاجته وضعفه, وأما الرئيس الجديد فقد جاءت به مجموعة شركات كارتل النفطية في تكساس. وهي على علاقة وثيقة بشركات النفط الامريكية في منطقة الخليج العربي, ونائبه ديك تشيني, كان حتى انتخابه, وربما حتى الآن, على علاقة بالشركات النفطية الامريكية التي تتعاطى بيع النفط العراقي, بما فيه النفط المهرب. من هنا يمكن للعرب ان يلتقطوا هذا الخيط النفطي وهم تجار النفط الاول في العالم, ومالكو ثلثي الاحتياطي النفطي في العالم. وأي تخفيض في الانتاج النفطي من جانب العرب, او التلويح باستخدام سلاح النفط, كفيل وحده ان يعيد التوازن للسياسة الامريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني ولصالح الحقوق العربية. وماذا لو اجرى العرب مراجعة للعلاقات التجارية بينهم وبين الولايات المتحدة, وهي التي تحتل المكانة الاولى في علاقاتهم التجارية الخارجية, او اعادوا النظر في العطاءات التي يمنحونها للشركات الامريكية في مجالات البناء او الطيران او السفن او الصناعة والتجارة عموما وهددوا باستبدال الشركات الامريكية بشركات اخرى, حتى لو كانت غربية؟ الا يجعل ذلك من العرب قوة تؤثر في السياسة الامريكية, بل تصنعها, بدلا من التأثر بها والخضوع لإملاءاتها؟! هذا بعض ما يملكه العرب من عوامل القوة والتأثير. وما لم يتم استخدامه وتوظيفه في خدمة القضايا العربية, سنظل نلهث وراء هذا الرئيس الامريكي او ذاك منتظرين ما يفرضه علينا من سياسات.